المركز العربي
للبحوث والدراسات
رئيس مجلس الادارة
عبد الرحيم علي

المدير التنفيذي 
هاني سليمان
ads
السيد يسين
السيد يسين

عـــودة الدولة التنمويــــة

الخميس 27/أغسطس/2015 - 09:03 ص

أتيح لى أن أطرح مجموعة من الأفكار المترابطة حول أنماط التغيير السياسى فى مجتمعات ما بعد الثورات فى ندوة علمية مهمة نظمها الخبير السياسى «د. يسرى العزباوى» عن الجتمع المدنى والتحول الديمقراطى.

والواقع أننى بعد ثورة 25 يناير فى مصر أصدرت كتابا بعنوان «ثورة 25 يناير بين التحول الديمقراطى والثورة الشاملة» (القاهرة، الدار المصرية اللبنانية 2013) قام على أساس وجهة نظر شخصية لى مبناها أن حقبة التحول الديمقراطى قد انتهت نهائيا بقيام «الثورات» فى بلاد الربيع العربى.

وقد قامت هذه الثورات لأنه فى العالم العربى كانت هناك مقاومة عنيفة من النظم العربية الشمولية والسلطوية فى هذا الانتقال الذى كان يعنى بكل بساطة التنازل عن قسط كبير من الهيمنة السياسية على المجتمعات، بالإضافة إلى خسارة مزايا طبقية ومالية كبرى للنخب السياسية الحاكمة.

ولكن نظرا للتطورات التى لحقت بالعالم -وأهمها بزوغ المجتمع المدنى العالمى- الذى يطالب كل النظم السياسية بالانتقال لقواعد الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان من ناحية والضغوط الشعبية العربية من جهة أخرى- اضطرت بعض النظم السلطوية العربية مثل النظام المصرى فى عصر «مبارك» للخضوع إلى ضغوط الخارج ومطالب الداخل. وتمثل هذا الخضوع فى إجراء بعض التعديلات الشكلية فى دساتيرها، كما حدث فى مصر حيث تحول الاستفتاء على منصب رئيس الجمهورية إلى انتخابات تنافسية.

غير أن مقاومة النظم السلطوية العربية وفى مقدمتها النظام التونسى فى عصر «بن على» والنظام المصرى فى عصر «مبارك»، أدى إلى انفجار الهبات الجماهيرية التى تحولت من «معارضة» النظام إلى «الانشقاق» الواضح والصريح عنه سعيا وراء قلبه وتغييره بالكامل، ومن هنا قامت «الثورة التونسية» وتبعتها بأسابيع قليلة «الثورة المصرية».

وفى تقديرنا كما أكدت فى عرضى الذى قدمته فى الندوة أنه بقيام هذه الثورات لا يجوز أن نتحدث عن التحول أو الانتقال الديمقراطى، لأن الثورة بحسب التعريف- من شأنها أن تعيد بالكامل صياغة أدوار أطراف المعادلة السياسية، ونعنى الدولة والأحزاب السياسية والمجتمع المدنى. والدليل التاريخى على ذلك أنه بقيام ثورة 23 يوليو 1952 التى بدأت بانقلاب عسكرى قام به الضباط الأحرار بقيادة «جمال عبدالناصر» وتحولها إلى ثورة بعد تبنيها لمشروع العدالة الاجتماعية الذى صاغته القوى الوطنية المصرية قبل الثورة ذاتها، أعيد صياغة دور الدولة والأحزاب السياسية والمجتمع المدنى بالكامل.

تحولت الدولة من دولة شبه ليبرالية فى ظل دستور 1923 إلى نموذج جديد تماما هو «الدولة التنموية» التى تتولى إعادة صياغة المجتمع من خلال قوانين الإصلاح الزراعى لتحرير الفلاحين المصريين من ربقة النظام شبه الإقطاعى الذى كان سائدا، والاندفاع فى التخطيط التنموى الشامل والذى ركز على التصنيع أساساً. ويشهد على ذلك الخطة الخمسية الأولى والخطة الخمسية الثانية.

وفيما يتعلق بدور الأحزاب السياسية فقد رأت الثورة بعد بروز سلبية ممارساتها فى الفترة من 1950 حتى 1952 -وخصوصا فشلها فى حل «المشكلة الوطنية» التى تتعلق بإجلاء الإنجليز، و»المشكلة الاجتماعية» والتى تتمثل فى الفجوة الطبقية الكبرى بين الأغنياء والفقراء ضرورة إلغائها بالكامل. واستعانت الثورة عنها بتنظيم سياسى واحد قام بدور الحزب الأوحد وتمثل أولا فى «الاتحاد القومى» ثم أصبح هو «الاتحاد» الاشتراكى بعد تبنى الاشتراكية باعتبارها العقيدة السياسية للثورة.

أما المجتمع المدنى والذى كان مزدهرا إلى حد كبير قبل الثورة من حيث حرية التفكير والتعبير والتنظيم فى ظل تعددية سياسية فقد ضيق عليه الخناق، وأصبح «الخطاب الاشتراكى» دون غيره من الخطابات الليبرالية أو الإسلامية هو الأعلى صوتاً.

فى ضوء هذه التجربة التاريخية ذهبت إلى أن النظام السياسى الجديد الذى ينبثق من ثورة 30 يونيو يعيد فى الواقع صياغة دور الدولة ويفسح الطريق واسعا وعريضا لعودة نموذج «الدولة التنموية» التى رسختها ثورة يوليو 1952، باعتبار أن مهمتها الرئيسية هى التنمية الشاملة من خلال القيام بمشروعات قومية كبرى. وقد بدأ الرئيس «السيسى» هذا العصر التنموى الجديد فى مصر بمشروع «قناة السويس الجديدة» التى اعتمد فيها لأول مرة فى تمويلها على الاكتتاب الشعبى الذى نجح نجاحا ساحقا، وعلى الإدارة الهندسية للقوات المسلحة فى تنفيذه فى عام واحد بدلاً من ثلاثة أعوام كما كان مقدرا وتم ذلك على أعلى مستوى. وقد توج هذا المشروع القومى الكبير بافتتاح تاريخى حضره عديد من ملوك ورؤساء العالم.

وقد أعلن أيضا عن مشروع زراعة المليون ونصف المليون فدان، بالإضافة إلى مشروع بناء عاصمة جديدة. ويعنى ذلك أن «الدولة التنموية» عادت بأقوى مما كانت حتى فى الحقبة الناصرية، ولم تعد التنمية «إقطاعاً» للنظام الخاص كما فعلت الدولة فى عهد «السادات» أو فى عصر «مبارك» والذى تزاوجت فيه السلطة مع الثروة مما أدى إلى استفحال الفساد وإفقار ملايين المصريين. وإذا كان قد تم رفع علم «الدولة التنموية» من جديد فماذا عن دور الأحزاب السياسية ومؤسسات المجتمع المدنى؟

هذا سؤال بالغ الأهمية، ولا يمكن الإجابة عنه بغير تحليل نقدى لممارسات الأحزاب السياسية تقليدية كانت أو جديدة بعد ثورة 25 يناير، وكذلك ممارسات مؤسسات المجتمع المدنى.

 

تبين من الممارسة «الديمقراطية» الفعلية بعد الثورة أن الأحزاب السياسية التقليدية ليس لها أى ظهير شعبى، وأكد ذلك حصولها فى البرلمان الأول بعد الثورة على نسب متدنية، وكذلك الأحزاب السياسية الجديدة التى نشأت بعد الثورة وخصوصا تلك التى أسسها النشطاء السياسيون، والتى ظهر أنها فى الواقع أحزاب «كرتونية» ليس لها أى تأييد شعبى. وهذه الحقائق هى التى سمحت لجماعة الإخوان المسلمين باعتبارها أكثر الجماعات السياسية تنظيما فى البلاد أن تحصل على الأكثرية فى مجلسى الشعب والشورى هى وحزب النور السلفى.

ومعنى ذلك أن هذه الأحزاب السياسية قديمها وجديدها أصبح دورها هامشيا لأن قياداتها ظنت وهما أنها يمكن أن تعيد إنتاج النظام السياسى القديم قبل الثورة، من حيث هيمنة المال السياسى، وشراء الأصوات، والاعتماد على العصبيات فى الريف. بعبارة قاطعة هذه الأحزاب السياسية على تنوعها لن يكون له دور مؤثر فى الدولة التنموية الجديدة التى لن تتسامح قياداتها مع ترهلها السياسى وانعدام فاعليتها الجماهيرية. وتبقى الأحزاب الدينية التى تخلصنا من أخطرها بالقرار الخاص باعتبار جماعة الإخوان المسلمين جماعة إرهابية وحل الجماعة ومحاكمة أعضائها.

وتبقى أمامنا «كارثة» حزب النور السلفى الذى تحلم قياداته بوراثة موقع جماعة الإخوان المسلمين فى النظام السياسى المصرى، ولذلك كثفوا صلاتهم بالإدارة الأمريكية.

ولكن ما هى الأدوار الجديدة لمؤسسات المجتمع المدنى؟ نحتاج إلى دراسة أخرى قادمة.

إرسل لصديق

ما توقعك لمستقبل الاتفاق النووي الإيراني؟

ما توقعك لمستقبل الاتفاق النووي الإيراني؟