خبرة الفشل والنجاح: الإخوان في مصر والنهضة في تونس .. (1-2)

الخميس 14/أبريل/2016 - 11:33 ص
طباعة خبرة الفشل والنجاح:
 
دكتور كمال حبيب

مع العام الخامس لذكرى ثورات الربيع العربي، لا تزال أصداء وصول الإسلاميين إلى السلطة في أهم بلدين شهدا ربيع تلك الثورات وهما مصر وتونس موضع التأمل  والتساؤل، فبينما فشل الإسلاميون في مصر الذين يعبر عنهم الإخوان وحلفاؤهم، ومنعهم جمودهم ونظرتهم العقدية من الاستجابة للأزمات والضغوط التي فرضها  واقع الثورة، وهو ما فوت على البلاد فرصة تاريخية لإمكانية تحول ديمقراطي - استطاعوا أن يحققوا نجاحا واستمرارا في تونس رغم التحديات ا لتي تواجهها تجربة التحول الديمقراطي هناك، ويبقي السؤال الملح لماذا نجحت حركة النهضة في تونس ولماذا فشل الإخوان في مصر وهنا نحاول الإجابة عن هذا التساؤل .

تفترض هذه الورقة أن هناك فرقا جوهريا بين حركة الإخوان المسلمين في مصر وبين حركة النهضة في تونس، فحركة الإخوان تصنف على أنها حركة دينية ذات طابع عقدي محملة بنص  مؤسس من ناحية وهو مجموعة رسائل مؤسسها الأول حسن البنا، ومجموعة المؤلفات التي قدمها سيد قطب والتي ظلت الجماعة تعتبرها مرجعية لها لم تنكرها، ومن ثم فإن الحمولة النصوصية التي تثقل كاهل الجماعة تجعلها غير قادرة على تجاوز تلك الحمولة بحيث يظل جوهر الحركة ديني وعقدي بالأساس.

بينما حركة النهضة في تونس ليست لديها تلك النصوص المؤسسة التي تثقل كاهلها فهي حركة نشأت في الجامعة باسم الجماعة الإسلامية في نهاية الستينيات(1) وظلت تحمل ذلك الاسم حتى مطلع الثمانينيات تم تحولت إلى حركة الاتجاه الإسلامي طوال الثمانينات وفي نهاية الثمانينيات  وتحت ضغوط الواقع والسلطة فإنها أصبحت حركة النهضة وهي التي لا تزال حتى اليوم تحمل ذلك الاسم ومن ثم فإن الطابع السياسي لها أكبر من المكون العقدي الديني ومن ثم لم يكن لديها نفس حمولة الإخوان فأصبحت أكثر قدرة ولياقة ومرونة في تعاملها مع الواقع وتحولاته.

تأثير الفروق الجوهرية في طبيعة الحركتين أثر على  الممارسة السياسية لكل منهما حين وصلتا للحكم، فما الفروق التكوينية بين حركة الإخوان المسلمين في مصر وحركة النهضة في تونس وجعلت الأولى لا تحقق نجاحا بينما استطاعت الثانية أن تبقى مكونا أساسيا من مكونات السلطة سواء في الحكم بمشاركة آخرين، وهي  فترة  الترويكا، أو أن تكون جزءا من الائتلاف الحاكم  للبلاد مع حزب نداء تونس العلماني وهو ما يعني القدرة على تجاوز الاستقطاب الإسلامي – العلماني لتحقيق مصلحة البلاد.

أولاً- تجليات الفروق التكوينية  بين حركة النهضة والإخوان

1- النص المؤسس لدى حركة الإخوان المسلمين هو رسائل البنا ومؤلفات قطب على رغم ما بينهما من تباين في استخدام اللغة والمصطلحات الجديدة التي تأثر بها قطب من قراءته ومطالعاته وهو في السجن بشكل أساسي لأبي الأعلى المودودي مؤسس الجماعة الإسلامية في باكستان، ورغم أن الجماعة وفي مواجهة الانقسام الذي أحدثه فكر قطب وأخوه محمد الذي يعد إعادة إنتاج لفكر أخيه سيد أصدرت كتابا بعنوان "دعاة لا قضاه" فإنها لم تذكر أبدا أنها تجادل أفكار سيد قطب، وإنما أشارت إلى أبي الأعلى المودودي وكتابه " المصطلحات الأربعة في القرآن الكريم .. الإله، الرب، العبادة، الدين "(2)،  وهو ما يعني أن الجماعة تعتبر أن قطب يعبر عن تطور داخل الخطاب الإخواني، وهذا يفسر لحد كبير ذهابنا إلى اعتبار الجماعة ذات طابع ديني عقدي في جوهرها الأساسي، وأن هذا الطابع الديني العقدي جعلها لا تستطيع الانفتاح على الواقع بشكل كامل، وإذا انفتحت عليه فإن جوهرها الديني العقدي يعيدها من جديد لتقف على أرضيته.

إن الطابع الديني العقدي للجماعة جعلها لا تستطيع الانفتاح على الواقع بشكل كامل، وإذا انفتحت عليه فإن جوهرها الديني العقدي يعيدها من جديد لتقف على أرضيته

2- لا يوجد جوهر ذات طابع عقدي بالمعني الإخواني لدي حركة النهضة، وإن كانت ذهبت إلى الإخوان المسلمين فبايعتهم واعتبرت نفسها جزءًا من تنظيمها الدولي(3)، بيد أنها لم تقتصر على الإخوان المسلمين كمصدر فكري وإنما تأثرت بالتجربة السودانية، وذهب بعض أعضائها لمعاينة التجربة السودانية التي انتقدت حركة الإخوان واعتبرت أن البيعة التي تطالب بها الجماعة لا تلزمها، كما أن كل حركة تقدر وضعها الداخلي وظروفها المحلية ومن ثم فإن تلك الظروف هي التي تحدد سيرتها وطريقتها، كما أن حركة النهضة تأثرت بالثورة الإيرانية وأيدتها بقوة واعتبرت انتصارها انتصارا للدين وإعادة الاعتبار لتأثير الإسلام في الحياة(4)، لم تقتصر حركة النهضة على مصادر فكرية بعينها وإنما انفتحت على مصادر متعددة كان من بينها علي شريعتي، ومحمد باقر الصدر وبالطبع مالك بن نبي وحسن الترابي، بالإضافة إلى المصادر الإخوانية، وانتقدت حركة النهضة في مسيرتها وتطورها حركة الإخوان المسلمين في مصر ولم تعتبرها ملزمة باجتهادها أو بمناهجها وإنما هي اجتهاد ضمن اجتهادات أخرى داخل الحالة الإسلامية ليس ملزما لها، بل إنها حاولت التباعد مع حركة الإخوان المسلمين ونفت كونها جزءا منها(5).

3- الطابع الديني العقدي لحركة الإخوان المسلمين جعلها تنظر لنفسها باعتبارها جماعة المسلمين وأنها هي الجماعة الحاملة للحق، وأنها المقصودة  بحديث النبي صلى اللـه عليه وسلم "من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه" ومن ثم ضرورة تقديم الولاء والبيعة إليها وإن لم تصرح بذلك، وهنا ما يوضحه سعيد حوَّى في كتابه "المدخل لجماعة المسلمين"، وكتابه "دروس في العمل الإسلامي"، حيث يتحدث عن مجموع مواصفات جماعة  المسلمين ويحاول أن يثبت أنها موجودة في جماعة الإخوان المسلمين، ويحدد سبع نقاط تتصف بها جماعة المسلمين ويقول: الأدلة كلها تدل على أن هذه الجماعة "الإخوان" هي أقرب الجماعات على الإطلاق لأن تكون جماعة الإخوان المسلمين، ويقول: المسلمون ليس أمامهم إلا فكر الأستاذ البنا، إذا ما أرادوا الانطلاق الصحيح، ثم يمضي إلى القول "هل رأى أحد في هذه الأمة رجلا كحسن البنا؟ وهل رأي الجيل الحاضر رجلا أصلب من حسن الهضيبي، وإن لخليفة الاثنين في أعناقنا لبيعة "(6).

سوف نلاحظ أن كل الاجتهادات الإخوانية كانت لا تعدو شروحا على المتنين الأصليين متن البنا ومتن سيد قطب بلا منازعة وهذا ما يطلق عليه الغنوشي "التدين السلفي الإخواني"، وهو تدين عقدي ذات طابع مغلق ونافذ يحول دون القدرة على التفاعل مع عناصر الواقع المتغيرة ، كما يحول دون التأمل والنظر في تجربة وخبرة الحركة من منظور نقدي(7).

4- الأمر مختلف بالنسبة لحركة النهضة وكما يعبر راشد الغنوشي في كتاب "حركة الاتجاه الإسلامي في تونس .. بحوث في معالم الحركة مع تحليل ونقد ذاتي"، بعنوان تحليل للعناصر المكونة للظاهرة الإسلامية بتونس .. حركة الاتجاه أنصبة متفاوتة الإسلامي "الحركة ثمرة تمازج وتفاعل لعناصر ثلاثة أثمر تفاعلها واشتراكها تكوين الظاهرة بدرجات وأنصبة متفاوتة، ولم يكن تفاعلها يسيرا ولا تأثير كل منها مساويا دائما لتأثير الآخر، بل كان مركز الثقل متنقلا بينها من مرحلة لأخري، وكان الصراع الظاهر أو الخفي بينها قائما دائما بوعي أو بغير وعي "
هذا العناصر كما شرحها الغنوشي الأول: التدين التقليدي التونسي ويشمل المذهب المالكي والعقائد الأشعرية والتربية الصوفية، والثاني التدين السلفي الإخواني الوارد من المشرق والتدين العقلاني الذي اكتسحته موجة التدين السلفي الإخواني العاتية فسار في طريقها فترة ولكن لم يلبث أن توقف متحيرا متسائلا باحثا عن نفسه حتى اكتشفها على مراحل ويتمثل هذا التدين في أولا: النقد الجذري للإخوان باعتبارهم أكبر عائق في طريق النهوض الإسلامي وثانيا: اعتماد الفهم المقاصدي للإسلام، وثالثا إعادة الاعتبار للغرب والفكر اليساري ورابعا عدم اعتماد المعايير الإخوانية ذات الطابع العقدي في تقسيم الناس إلى مؤمن وكافر، وإنما يكون التقسيم على أسس سياسية واجتماعية وطني وخائن وثوري ورجعي وفلاح وإقطاعي، وخامسا إعادة الاعتبار للمدرسة الإصلاحية في تونس (مدرسة خير الدين التونسي، والطاهر الحداد)، وأخيرا: الدفاع عن المنهج الاعتزالي في التعامل مع الإسلام وتيارات المعارضة في التاريخ الإسلامي المناوئة للسلفية والسنية(8).

نحن إذن أمام مكونات متنوعة في الفكر والتدين والفهم، وهو ما قلل من الطابع العقدي للحركة وجعلها أكثر قابلية للانفتاح على الواقع والتطور مع متغيراته بتطور حركي جديد جعلها تغير اسمها وطريقة تفكيرها من الحركة الإسلامية إلى حركة الاتجاه الإسلامي ثم إلى حركة النهضة ولكل مرحلة انفتاحها على الواقع بقدر ما يتيحه ولكن الخط الأساسي هو التخفف من الطابع العقدي المغلق نحو طابع سياسي منفتح على قوى المجتمع المختلفة بما في ذلك التيارات الماركسية وعلى الأفكار بالانتقال من الحديث عن الخلافة الإسلامية والدولة الإسلامية إلى دولة ديمقراطية(9).

لا يوجد جوهر ذات طابع عقدي بالمعني الإخواني لدى حركة النهضة، وإن كانت ذهبت إلى الإخوان المسلمين فبايعتهم واعتبرت نفسها جزءً من تنظيمها الدولي
5- لم يكن العبء الإخواني ممثلا فقط في النصوص المؤسسة وإنما تمثل كذلك في الحمولة التاريخية التي حملتها الجماعة منذ أسس البنا "التنظيم الخاص" عام 1940 ورسخ مفهوما خاصا للبيعة وأصبحت الجماعة ذات تكوين مزدوج علني وآخر سري لا يعرفه سوى مؤسس الجماعة، والمثير أن قائد التنظيم الخاص كان طالبا بكلية الآداب لم يبلغ بعد الثانية والعشرين من عمره وقد تهاوت قبضة البنا في السيطرة على التنظيم مع اندفاعه نحو تبني عمليات عنف ضد القاضي الخازندار، واكتشاف السيارة الجيب، وشباب من الإخوان يتدربون في المقطم ومعهم قنابل، بالإضافة للعمليات الأخرى العديدة ضد مصالح اليهود والإنجليز، وهو ما قاد في النهاية إلى حل الجماعة عام 1948، ثم إقدام شاب إخواني طالب بكلية الطب البيطري على قتل رئيس الوزراء المصري محمود فهمي النقراشي عقابا له على حل الجماعة، وبدورها قامت الدولة بقتل مؤسس الجماعة الأول حسن البنا عام 1949(10)، وأضافت المواجهة مع الدولة الناصرية مزيدا من الحمولة التاريخية بين الجماعة والدولة حيث ظلت روح السرية والاحتفاظ بمسار التنظيم الخاص قوية رغم محاولة المرشد الثاني حسن الهضيبي أن يقلم أظافر التنظيم القديم الذي يقوده عبد الرحمن السندي لصالح تنظيم جديد يكون أكثر ولاء له بقيادة يوسف طلعت، ومن هنا تعرض عبد الناصر لمحاولة اغتيال تنكرها الجماعة بيد إن من حاول قتله كان عضوا في التنظيم الخاص للجماعة هو محمود عبد اللطيف(11)، وسوف يظل عبء التنظيم الخاص مشكلة كبيرة للجماعة، حيث انتقلت تقاليد السرية والازدواجية عبر أعضاء ذلك التنظيم الذين سيطروا على الجماعة مع بداية صعودها من جديد مع مجيء عصر السادات الذي بدأ الإفراج عن أعضاء الجماعة في عام 1971م ولم يأت عام 1974 إلا وقد خرجوا جميعا، وهنا وفي سياق محاولة توظيف الدولة لجماعة الإخوان في مواجهة التيارات اليسارية المناوئة لنظام الحكم الجديد، انتشر الإخوان وبدأوا يعيدون  تنظيم صفوفهم من جديد فعادوا لوظائفهم وصدرت مجلة الدعوة وبدأت سرادقات الإخوان تعود من جديد لنشر الفكر، وهنا لاحظنا ظاهرة " المرشد السري" حيث بايع الإخوان مرشدا سريا دون التزام بتقاليد الجماعة الجديدة (12)، بيد إن صعود المرشد الثالث "عمر التلمساني" والقبول به كمرشد جاء بعد ذيوع لا يمكن إنكاره ولا مدافعته بأنه هو المرشد، ويشير محمد حبيب نائب المرشد العام للإخوان في مذكراته إلى أن تنصيب محمد حامد أبو النصر كمرشد تم بسرعة من مكتب مصر، رغم اعتراض إخوان التنظيم الدولي بالخارج لأنهم لا يعرفونه حتى لا يسرع تيار التنظيم الخاص والسرية الذي يقوده مصطفى مشهور الذي كان أبرز المتهمين في قضية السيارة الجيب إلى الإسراع باحتلال منصب المرشد العام، ومن المعلوم أنه بعد وفاة المرشد الرابع أبو النصر وبعد إتمام الدفن مباشرة دعا "لا شين أبو شنب" الإخوان المشيعين أمام المقبرة إلى بيعة مصطفي مشهور وهو ما عرف باسم  "بيعة المقابر"(13).
لم تقتصر حركة النهضة على مصادر فكرية بعينها وإنما انفتحت على مصادر متعددة كان من بينها علي شريعتي، ومحمد باقر الصدر وبالطبع مالك بن نبي وحسن الترابي، بالإضافة إلى المصادر الإخوانية

6- رغم أن حركة النهضة انتهجت العمل السري ومارست العنف وتم محاكمة أعضائها مرات عديدة ، بل إن تاريخها يشير إلى أنها دبرت لمحاولة انقلابية قبل يوم واحد للتخلص من أبو رقيبة قبل تلك التي قام بها زين العابدين بن علي(14)، كما أن ظل الازدواجية في القرار بين ما هو سري وما هو علني دفع بعض كبار مؤسسي النهضة لتعليق عضويتهم، بها كما هي الحال مع عبد الفتاح مورو الرجل الثاني في الحركة، بيد أن وجود تيار قوي وعقلاني يرفض الازدواج بين السري والعلني جعل قيادة الحركة تتخلص من الطابع السري الازدواجي وتقدم نفسها كحركة علنية، لم تكن لحركة النهضة تقاليد متجذرة في العمل السري وممارسة العنف كما هو الحال بالنسبة لحركة الإخوان التي أسست تنظيما قويا تبنى العمل السري ومارس العنف، كما أن خطاب حركة النهضة كان واضحا بشأن موقفها من السرية والعنف، وكان هناك جدال فكري حقيقي حول تلمس طرق أكثر انفتاحا على المجتمع وعلى قواه الاجتماعية والسياسية المختلفة بعيدا عن أفكار العزلة الشعورية وتجهيل المجتمع والتأسيس للتنظيم السري باعتباره أداة الحركة للتمكين في المستقبل، كما هي الحال بالنسبة لحركة الإخوان المسلمين، وقد يسرت طريقة النشأة لحركة النهضة وطبيعة قياداتها والمحاورات الفكرية المختلفة التي نشرتها مجلة المعرفة والحبيب والفجر وغيرها إلى نمو تيار فكري منفتح على المجتمع ويرفض أفكار سيد قطب المفاصلة، كما أن المجموعة التي انشقت عن الجماعة فيما بعد باسم اليسار الإسلامي ثم باسم الإسلاميين التقدميين والتي عبر عنها " أحميدة النيفر وصلاج الجورشي، وزياد كريشان " والتي كانت تنتقد وبقوة الإسلام الحركي وعلى رأسه الإخوان المسلمون وسيد قطب، خففت من غلواء التيار الحركي الذي يتبنى ما يطلق عليه "الفقه الحركي" والذي يفتح بابا واسعا للحيل واستخدام فقه الضرورات والاستثناءات ويجعل منها قواعد عامة تفتح الباب للتجييش والاندفاع غير المحسوب في مواجهة السلطة(15)، كما أن خروج " راشد الغنوشي" من الجزائر إلى بريطانيا وتعرفه على العالم هناك، وتواصله مع المنظمات الدولية والأفكار المنفتحة على الواقع للأقليات المسلمة في الغرب ومجامعها الفقهية جعله يتبنى مواقف فكرية تجاوز بها بشكل كامل الإخوان المسلمين في مصر الذي اخترقها العنصر السلفي والريفي(16) وهو ما حال دون تخلصها من طابعها العقدي والتربوي الأخلاقي الذي ينظر للعالم بشكل بسيط دون تأمل في تعقيدات الواقع وقراءته قراءة مستندة إلى تناقضاته الاجتماعية والسياسية.

إن كل الاجتهادات الإخوانية لا تعدو شروحا على المتنين الأصليين متن البنا ومتن سيد قطب بلا منازعة وهذا ما يطلق عليه الغنوشي "التدين السلفي الإخواني"، وهو تدين عقدي ذات طابع مغلق

7- لم نجد جدالا فكريا داخل جماعة الإخوان المسلمين كما هي حال حركة النهضة وإنما وجدنا انقساما جيليا حول تصورات أغلبها تنظيمي وإداري وليس فكريا، وخرج من جماعة الإخوان تقريبا كل من حاول أن يطرح أطروحات فكرية مختلفة عن الخط السائد في الجماعة ،من ذلك المنتسبين للجماعة من كلية الاقتصاد مثل " هبة رؤوف ، وسيف عبد الفتاح ، وإبراهيم البيومي غانم"(17)، ومجموعة الوسط لم يكن خلافها فكريا مع الجماعة وإنما كان خلافها حول مسألة تنظيمية متعلقة بتأسيس حزب لجماعة الإخوان، وحين استمرت مجموعة الوسط في إنفاذ ما ارتأته رغم رفض مكتب الإرشاد قررت جماعة الإخوان سحب التوكيلات منهم وأفقدتهم فرصة تأسيس حزبهم، هنا الخلافات حول مسائل إدارية وتنظيمية (18)، وما يعرف بالتيار القطبي التنظيمي السري المسيطر على الجماعة لم يطرح أي اجتهاد فكري، وإنما استطاع بقدراته التنظيمية وتوظيفه لما أطلقنا عليه من قبل "فقه الحركة" أن يسيطر على الجماعة وعلي قرارها السياسي، ولم يستطع تيار الإصلاح أو مجموعة جيل الوسط أن تؤسس لنفسها أرضا فكرية داخل جماعة الإخوان التي يسيطر عليها بقوة التنظيم والإجراءات وعبر طرق التربية التقليدية القائمة على الاتباع والتقليد والثقة، وهنا أقول بوضوح إن استمرار هيمنة التنظيميين القطبيين على جماعة الإخوان المسلمين وعلى رأسهم بالطبع محمود عزت وخيرت الشاطر ومحمود غزلان، ومحمود حسين وغيرهم جر على الجماعة كارثة فشلها في الحكم، فقد تعامل التنظيميون كما أقول، مع سياسة مصر من منطلق عالم الأشياء بينما هي بالضرورة تفترض أن يتم التعامل معها وفق عالم الأفكار، وهذا يفسر افتقارهم للحس السياسي والقدرة على التمييز بين المواقف والتحالفات ونظام الإدارة وصناعة القرار في ظل الجماعة المحكومة بالبيعة الدينية للمرشد والملتزمة بما تعتبره واجبا بالطاعة والاتباع، وفي ظل موج السياسة العاتي لمجتمع ثار على نظام سابق فاسد فأسقطه.

8- على جانب حركة النهضة التونسية فنحن أمام راشد الغنوشي وله اجتهادات فكرية مهمة داخل الحالة الإسلامية ولديه رصيد فكري يمثل تطورا داخل الفكر السياسي للحركات الإسلامية، ولدينا أسماء أخري مهمة لها ارتباط بالفكر داخل حالة النهضة مثل عبد الفتاح مورو، وصالح كركر، وغيرهم، وهذا جعل قيادات النهضة يدركون أن السياسة هي فن العمل في حدود الممكن، ومن ثم كانت لهم مواقف مختلفة عن الإخوان في قضايا عديدة مثل الموقف من الشريعة في الدستور والموقف من التيارات السلفية الجهادية والموقف من صيغة الحكم القائمة على المشاركة وليس المغالبة، والموقف من قضية العزل السياسي، والموقف من ترك رئاسة الوزراء رغم أغلبية الحركة في المجلس التأسيسي، وعدم التقدم لمنصب الرئيس رغم أنه كان يمكنهم أن يفعلوا، وغيرها من القضايا التي سنتناولها تفصيلا فيما بعد.

الهوامش

1- يشير أعليه علاني إلى أن الحركة بدأت في نهاية الستينيات ضمن جمعية اسمها المحافظة على القرآن الكريم ، بيد أنهم طردوا منها ففكروا في أشكال أخرى من الحركة تبنت الفكر الإخواني التقليدي عام 1972باسم الجماعة الإسلامية ، وفي عام 1977 حيث كان لطلاب الجماعة الإسلامية الوجود الأكبر بالجامعة، ظهر اسم الاتجاه الإسلامي عام1977 ، بيد أن إعلان اسم الاتجاه الإسلامي وتحوله لحركة علنية تم في 6جوان عام 1981، وفي 8 فيفري 1989 تغير الاسم إلى حركة النهضة وتقدمت بملفها للدولة لتكون حركة رسمية ضمن النظام السياسي ، وراجع أعليه علاني، الحركات الإسلامية في الوطن العربي ، دراسة مقارنة بالحالة التونسية (القاهرة : مصر المحروسة ، 2008، ط1 ).

2- حسن الهضيبي ، دعاة لا قضاة (القاهرة :دار التوزيع والنشر الإسلامية ، 1977، ط2) ، وقد أفرد الكتاب رده على المودودي دون أن يشير إلى سيد قطب ، وقد وقع لي ونحن في الجامعة أن حاضرنا بكلية الاقتصاد مصطفى مشهور ودافع عن فكر سيد قطب وقتها عام 1978، كما كنت رئيس تحرير لبرنامج منابر ومدافع الذي كان يقدمه ضياء رشوان وفي ست حلقات عن سيد قطب بين مؤيديه ومعارضيه  دافع محمد مرسي ومحمود عزت عن فكر سيد قطب عام 2009 ، وكان البرنامج قد سجل حلقة مع القرضاوي إبان زيارته الصيفية لمصر هاجم فيه أفكار قطب ، وحين التقي القرضاوي العوا، وسأله عن من يعارضونه في هذا البرنامج فقال  يا مولانا هؤلاء  تنظيم العشرات -أي من حكم عليهم بعشر سنوات – فقال القرضاوي هؤلاء من حذرنا منهم عمر التلمساني فهم يعتبرون الموسيقى زندقة، والآداب العالمية محرقة، والفنون شيطنة، وهم تربوا على أن الديمقراطية حرام  والليبرالية كفر .

3- بابع أحميدة النيفر عام1973 المرشد الثاني الهضيبي في موسم الحج بمكة المكرمة ، وفي عام 1977 عاود النيفر مرة أخرى إلى القاهرة حيث بايع مرشد الإخوان الجديد عمر التلمساني ، ويذكر عبد  اللـه عمامي أن محفوظ نحناح ممثل الإخوان في الجزائر كان موجودا ويضيف إن كمال السنانيري كان موجودا إلى جوار المرشد العام ليدلل بذلك على ضعف مكانة المرشد الجديد وأن التيار التنظيمي حاضر بقوة بين يديه، وراجع عبد اللـه عمامي، تنظيمات الإرهاب في العالم ا لإسلامي ، أنموذج النهضة .. النشأة ،التنظير، الهيكلة ، كتاب غير منشور .

4- راشد الغنوشي، حركة الاتجاه الإسلامي في تونس ، بحوث في معالم الحركة مع تحليل نقدي وذاتي (الكويت: دار القلم ، 1409ه -1989 ، ط1)، ج 3 ، ص  38 حيث يشير إلى تأثير التجربة السودانية والإيرانية على الحركة ونقد الإخوان ، وأيضا عبد الفتاح مورو .

5- يفيد عبد الفتاح مورو نائب رئيس الحركة أن علاقة الحركة بالتنظيم الدولي للإخوان استمرت حتى عام 1985 حيث بدأت التأثيرات الأخرى السودانية والإيرانية تتعاظم على الحركة وراجع أعليه علاني ، الحركات الإسلامية في الوطن العربي ، م .س.ذ ، ص 248، وعن التأثير الإيراني راجع عبد اللـه عمامي ، م.س.ذ ، ص 70-حيث أشار إلى لقاء وفد طلابي تونسي بالخوميني وهو في باريس قبل ذهابه إلى طهران ولقاءات الحبيب المكني وراشد الغنوشي من بعد للقيادات الإيرانية بعد انتصار الثورة .

6- عبد الله فهد النفيسي ، تقويم الفكر الحركي للتيارات الإسلامية ، دراسة موجزة ، مجلة العلوم الاجتماعية ، صيف 1995،ع2،المجلد الثالث والعشرون ، ص 19، 20

7- راشد الغنوشي ، حركة الاتجاه الإسلامي في تونس ، م .س .ذ ، ص 30

8- نفس المرجع ، ص 28-44

9- عبد الجبار البوبكري ، النهوض الإسلامي ، دراسة للحركة الإسلامية التونسية ولمحنتها الحالية (بيروت : دار العقاب ، 1414-1994)، ص 38 وما بعدها، حيث يشير إلى تطور موقف الحركة من قضايا متعددة مثل الديمقراطية والانتخابات ومدونة أحكام المرأة وغيرها.

10- ريتشارد ميتشل ، الإخوان المسلمون ، ترجمة عبد السلام رضوان ومني أنيس (القاهرة : مكتبة مدبولي ، 1985،ط2 )، ص 100وما بعدها بعنوان " العنف وقرار الحل، ويشير أحمد عادل كمال إلى أن بدايات التنظيم الخاص بدأت عام 1938 وهو نفسه قد انضم إليه عام 1946 وراجع أحمد عادل كمال ، النقط فوق الحروف ،الإخوان المسلمون والنظام الخاص ( القاهرة : الزهراء للإعلام العربي ، 1409ه – 1989، ط2)، ص149

11 - لمعرفة الجدل والحقائق حول الموضوع راجع هذا الرابط : http://www.ikhwanwiki.com/index.php?title=%D9%85%D8%AD%D9%85%D9%88%D8%AF_%D8%B9%D8%A8%D8%AF_%D8%A7%D9%84%D9%84%D8%B7%D9%8A%D9%81

12 - عن ظاهرة المرشد السري وعسكرة الجماعة وسطوة مجموعة التنظيم الخاص داخلها،  راجع عبد الله فهد النفيسي، الحركة الإسلامية رؤية مستقبلية ( القاهرة :مدبولي ، 1410-1989، ط1 )، ص 234-237

13 - ذكريات محمد حبيب عن الحياة والدعوة والسياسة والفكر (القاهرة : دار الشروق ، 2012، ط1 )، ص194

14- فرنسوا بورجا ، الإسلام السياسي ، صوت الجنوب ، ترجمة لورين ذكري، ط1، ( القاهرة : دار العالم الثالث ، 1992) ، ص 225-226 ، وعبد الجبار البوبكري ، النهوض الإسلامي ، م .س .ذ، ص 78- 79 ، ويقول مؤلف الكتاب أن يوم 8 نوفمبر الذي قام بن على فيه بالانقلاب الصحي أوعزت إليه المخابرات الأمريكية باستباق حركة النهضة بذلك فقد كان عميلا لها منذ السبعينيات وتجسس لها في بولندا والمغرب الأقصى.

15 - عن اليسار الإسلامي والإسلاميين التقدميين في تونس راجع ، صلاح الدين الجورشي، خبرة الإسلاميين التقدميين في تونس، كراسات المركز الدولي للدراسات ، بتاريخ 19/12/1988 وهو المركز الذي كان يديره أبو العلا ماضي ومجموعة الوسط وكان يصدر كراسته بشكل غير دوري، وهو كراسات تتضمن تفريغ محاضرات ضيوفه وتعليقات الحضور عليها ، وراجع أيضا فرانسوا بورجا ، الإسلام صوت الجنوب ، م .س .ذ ، حواره مع أحميدة النيفر وصلاح الجورشي وانتقاد الإخوان بشكل جرئ وقاس .

16 - عن تأثير السلفية والترييف في عسكرة الإخوان وتعميق الروح السرية والمواجهة  وعدم احترام اللوائح والمؤسسات ، راجع حسام تمام ، الإخوان المسلمون، سنوات ما قبل الثورة، ط1، (القاهرة :دار الشروق ، 2010) ، ص ص 71-95.

17 - سعد الدين السيد صالح ، الإخوان المسلمون إلى أين، ط1، ( القاهرة : مركز يافا للدراسات والأبحاث ، 1999)، ص 68. حيث يشير إلى استقالة أعضاء المكتب السياسي للجماعة عام 1998 وذلك لسطوة التنظيم وعدم أخذ مكتب الإرشاد بقرارات المكتب السياسي ، وهو يحيل إلى جريدة الحياة بتاريخ 16/7/1998 .

18- كمال السعيد حبيب، العلاقة بين الإخوان والجماعات الإسلامية الأخرى في كتاب أزمة الإخوان المسلمين، تحرير عمرو الشوبكي، ط1، ( القاهرة : مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية ، 2009)، ص ص 158-160.

شارك