العقل المنهزم والعالم الرقمى الجديد

الأحد 08/يناير/2017 - 02:21 م
طباعة
 
يبدو فشل النخب السياسية فى العالم العربى واضحاً فى الفكر والسياسات وإدارة الشئون الداخلية، والخارجية فى إقليم وعالم ما بعد معولم مضطرب وتغشاه بعض من أشكال الفوضى والإرهاب، والعنف، وتزايد الفجوات الكبرى والنوعية بين التحولات البنيوية فى العالم الأكثر تطوراً، وبين التخلف التاريخى النوعى لمصر والدول العربية فى جميع المجالات التقنية، والاقتصادية، والعلمية، والثقافية، وفى أنماط الحياة الاجتماعية التى يتراجع طابعها الدينى التحديثى والحداثى، لصالح الترييف فى الأفكار والسلوك، والعلاقة مع الزمن، وفى هيمنة أنماط التدين الريفى السلفى التقليدى، وغزو القيم الفردية للقيم الحداثية، وتآكل ثقافة المدنية. فى ظل إقليم مضطرب فى محاوره وبناء تحالفاته المتغيرة، وانكسار النظام العربى وموحداته فى حدودها الدنيا، تتفاقم الأزمات السياسية، وانهيار الدول ومعها أنظمة سياسية شمولية واستبدادية. تبدو أسئلة المستقبل وتحولاته الكبرى وكأنها أقرب إلى التمرينات الذهنية، ومن التفكير الرغائبى، وتطرح أسئلة حول سؤال المستقبل، وعلى رأسها، وهل من المجدى طرح أسئلة ثقافة المستقبل فى ظل الفشل الكبير فى مواجهة أسئلة ومشكلات وأزمات الحاضر؟ 


من هنا نستطيع القول إن ثقافة عالمنا المابعدى تتجه نحو تكريس الفجوات المعرفية والإدراكية بين عالم المعلومات الهائلة، وبين قدرتنا على استيعابها، والتعامل معها وتحليلها، فى ظل تزايد الفجوات المعرفية والعلمية بين النخب المصرية والعربية، وبين ما يجرى فى دنيانا الهادرة بالتراكمات والانقطاعات المعرفية، وفى الوعى النخبوى والجماهيرى بها، على نحو يؤدى إلى تزايد تهميشها وتراجعها إلى خارج ثقافات العالم، بحيث تبدو ثقافاتنا العربية كحفرية من الحفريات الحية التى تعانى من الجوع، والعنف، والإرهاب، والتى تبدو كاستثناء تاريخى وحضارى فى تطور الإنسانية. هذا الرأى لا يُعد تشاؤما تاريخياً، أو محضُ خيال سياسى هزيانى، وإنما كل المؤشرات الراهنة حول الأمية بكل أنماطها، وعلى رأسها أمية النخب الشائخة، وفشل سياسات التعليم والصحة والتشريع وإدارة الاقتصاد، ستؤدى إلى هذا المستقبل القاتم!;. 

ثمة عديد من التحولات الكبرى تجرى أمامنا، ويمكن لنا إيجاز بعضها فيما يلى: 

1- رقمنة العالم وانعكاساتها على إدارة السياسة الداخلية والخارجية على نحو سيؤدى إلى تباينات نوعية فى طرائق تفكير النخب السياسية فى العالم الأكثر تطوراً، وفى العالم العربى، وفى اللغة السياسية ومصطلحاتها ومفاهيمها، وفى أنظمة ومقاربات التعامل التحليلى مع أبنية المعلومات الكبرى وتكاثرها المفرط. وسيؤدى هذا التغير الكبير إلى ما يلى: 

أ- تناقضات حادة فى طرائق تعامل النخب العربية السياسية مع العقل السياسى الرقمى فى الدول الأكثر تطوراً. 

ب- تناقضات كبرى بين النخب الحاكمة والمعارضة، وبين الأجيال الجديدة الصاعدة ذات التكوين والثقافة الرقمية العشوائية فى الغالب والاستثناءات محدودة فى هذا السياق. 

ج- ستؤدى الأزمات الاقتصادية وتزايد معدلات البطالة والتضخم واتساع الفجوات الاجتماعية بين «الطبقات» إلى تزايد الغضب الاجتماعى، والاضطرابات، وارتفاع معدلات الجرائم، والهجرات من الأرياف إلى المدن، وتزايد الأعباء الأمنية ومصادر تهديد الأمن والاستقرار الاجتماعى والسياسى. 

د- ضعف كفاءة المدن وبنياتها التحتية على استيعاب عمليات الاستقطاب الحضرى المريف، وتزايد المناطق العشوائية حول المدن، وداخلها على نحو يؤدى إلى تهتك الأنسجة العمرانية، وتفاقم الأزمات المرورية بما يجعل حركة المواصلات داخلها، وحولها بالغة الصعوبة، وبما يؤثر على العمل والإنتاج. 

هـ- الرقمنة ستجتاح الإبداع والإنتاج الثقافى فى جميع مجالاته، فى السينما، والموسيقى، والتمثيل، والمسرح، والإبداعات السردية التى تتحول بسرعة من الورقى إلى الرقمى بنية ودلالة ولغة وأسلوباً، وفى الكتب والصحافة إلى أنماط جديدة وغير متوقعة. 

و- الانتقال من ديمقراطية الأحزاب الغربية، إلى ديمقراطية رقمية تشاركية فى ظل الانتقال من مراحل تحول وتراجع الحقيقى إلى تمثيلاته إلى تراجع الواقعى إلى الرقمى وشبكاته، واتساع ضخم وبلا حدود لشبكاته المؤثرة على إدارة النظم السياسية والاجتماعية والثقافية، وامتدادها إلى مدارات تشمل عالمنا كله تأثيراً وضغطاً وتغييراً فى إدراك مفهوم ومعنى السياسة والعمل السياسى والثقافى .. الخ. 

ز- عدم قدرة الأحزاب السياسية على مواكبة الثورات الرقمية، وفقدانها القدرة على لعب وظائفها المعروفة. 

أزماتنا تتفاقم عربياً وعلى رأسها أزمة عقل سياسى وبيروقراطى انهزم فعلاً! بينما عوالم أخرى يعاد تشكيلها حولنا وفى الدنيا الجديدة، وستتزايد التناقضات الجيلية ومعها الصراع حول مستقبل النخب والأنظمة القمعية والدولة ما بعد الكولونيالية الهشة والمفككة، وتآكل الدولة/ الأمة فى الحالة المصرية والمغربية. مسارات صعبة تحتاج إلى فكر جديد وخيال سياسى وثاب. 

شارك