البُعد الدينى فى ثقافة المستقبل

الأحد 12/فبراير/2017 - 02:52 م
طباعة
 
تطرح حالة المابعديات والسيولة وعدم اليقين والعنف والإرهاب وأشكال الكراهية الدينية والمذهبية والثقافية إزاء الآخر، عديد الأسئلة حول تشكلات ثقافة المستقبل ومكانة المكون والبُعد الدينى – أيًا كان – داخلها، فى ظل عالم من الصراعات والتوترات والتناقضات والشعبوية والتفاهة لدى بعض النخب السياسية فى عالمنا الكبير، أحد أبرز هذه الأسئلة تتمثل فيما يلي:


ما هى ملامح تشكلات ثقافة المستقبل؟ ما هو المكون الدينى داخلها؟ ما هى التحديات التى ستواجه العقل والفكر الدينى فى عالم سريع التحول والتفكك فى بنياته الحداثية الفائقة أو ما بعد بعدها؟ السؤال المطروح ما المقصود بثقافة المستقبل؟ بداية نقصد بثقافة المستقبل المركب من بنيات «المعرفة والمعتقدات والفنون والأخلاق والقانون والأعراف، والعادات الجديدة» -، وذلك وفق تايلور فى تعريفه الذائع – وهى أنماط ثقافية جديدة ستتشكل مع طبيعة التغيرات والتحولات التى سيشهدها عالمنا المستقبلي، والتى يمكن لنا تحديد بعض معالمها الرئيسة فى ضوء التفاعلات والتشكلات الحالية فيما يلي: 1- ثقافات المابعديات، التى تشهد أنظمتها المختلفة التداخل ما بين الثقافات الحداثية وما بعدها، وتحولات ما بعد بعدها، حيث ستبدو التناقضات والصراعات ما بين هذه الأنماط الثقافية – القيمية والأخلاقية والهندسات القانونية، والرموز والعادات وطقوس الحياة اليومية المشتركة داخل مجتمعات عالمنا على تنوعها وتمايزاتها وبعض موحداتها وهذا العالم المابعدى المتغير - ما بعد الثورة الصناعية الثالثة إلى الرابعة وما بعد العولمة، وما بعد بعد الحداثة.

2- التحول من الكتابية إلى الرقمية فى اللغة والعلامات والرموز والتعبيرات وأساليب السرد وأنماط التفكير والمقاربات المختلفة للظواهر الاجتماعية والسياسية والدينية.

3- التزاوج والتفاعل والتناقض والتوتر بين الفعلى والرقمى وفى السلوك اليومى والعلاقات الاجتماعية – الحب والصداقة والجنس والأخلاق والعادات اليومية والاعتقادات والتحولات الدينية والمذهبية -، وفى أنماط التفكير وإنتاج الأفكار والمعايير وقواعد الضبط الاجتماعي.

4- رقمنة العمل وأثرها على تنظيمه ومعناه وتحولاته على نحو سيؤدى إلى خروج أشكال وأنماط من العمل الحديث إلى ما يتجاوزها ومعها خروج مئات الملايين بل مليارات من العاملين إلى دوائر البطالة.

5- تزايد وتسارع بناء الشبكات الرقمية، وتشظياتها وتعقدها بحيث تتحول الفردنة الفعلية إلى علاقات عوالم وانتماءات شبكية عابرة للثقافات، ومتعددة المحاور والاهتمامات والموضوعات والأهواء والغوايات ..إلخ.

ستتأثر الأبنية والهندسات القانونية وقواعد الضبط الاجتماعى بالثقافة الرقمية، وستتزايد أشكال الجنوح الإجرامى من المجال الفعلى والواقعى إلى الشبكات والعلاقات وأنماط السلوك الجانح إلى المجال الرقمي، على نحو ما بدأ يظهر ويتمدد من أشكال الجرائم الرقمية، وآثارها الخطيرة على الأمن بأنماطه المختلفة.

السؤال الذى نطرحه هنا، ما أثر ذلك على المكون الدينى فى العالم المابعدي؟

سوف يستمر دور المكون الدينى فى بعض الأنساق الأخلاقية والقيمية لارتباطه بأسئلة الوجود والعدم والحياة والموت، ودوره فى بناء التوازنات النفسية والأخلاقية للأجيال الأكبر سنًا، والوسيطة كى تواجه تحولات ضارية وصعبة التمثل والتكيف معها، فضلاً عن عديد التحديات الصعبة التى تطرحها ثقافة المستقبل على الأديان والمذاهب والعقل والفكر الديني، ويمكن لنا طرح بعضها فيما يلي: أولاً: تحدى الشعبوية السياسية وصعود سلطة المديوكر والمنيوكر فى الطبقات السياسية الحاكمة فى أمريكا وأوروبا، وصراعها مع مؤسسات الدولة الأساسية، ولجوء بعض النخب السياسية إلى الخطاب الشعبوى الذى يخاطب الدوافع الرئيسية لدى شرائح اجتماعية عريضة يخايلها الخوف والبطالة والاستبعاد من النظام الاجتماعى والحياة عند الحافة، ومن ثم تبدو هذه النزعة الشعبوية ومحاولة العودة إلى الخطاب القومى مرشحه للازدياد فى الأجلين القصير والمتوسط، على نحو يستدعى الدين والإسلام والإسلاموفوبيا كهدف للتصويب.

ثانيًا: الفجوة بين رجال الدين والمؤسسات الدينية وبين الأجيال الجديدة الشابة، وبين التفسيرات والتأويلات الموروثة وبين الأسئلة والظواهر الجديدة فى العالم المابعدي.

ثالثاً: تحدى الحريات الدينية والانتقال والتحول من أديان ومذاهب إلى أخرى، أو إلى اللاتدين والإلحاد.

رابعًا: تحدى الاستنساخ والثورة الجينية والأسئلة التى ستطرحها على المنطق الدينى التقليدى فى بعض الأديان والمذاهب.

خامسًا: تحدى الانتقال من الشفاهية والكتابية فى التفكير والدعوة والتبشير واللاهوت والفقه إلى الرقمية – كمقاربة ولغة ورموز وتمثل – وإلى ظهور أشكال من المحاكاة الساخرة للنصوص الدينية التأسيسية من قبل بعض من غير المؤمنين بالأديان والعياذ بالله.

سادسًا: تحدى الصراعات بين الكتل الدينية الكبرى على الضمير الإنساني، ناهيك عن تحدى تكيف هذه المؤسسات وقادتها مع تحولات ثقافة المستقبل، من حيث تكوين الأكليروس والدعاة واللاهوتيين والفقهاء والمفسرين.

سابعًا: تحدى الثورات التقنية وفى مجال العلوم الطبيعية، ومشكلة صياغة أخلاقيات جديدة للعلم.

شارك