فى مديح العفوية والخفة المفرطة!

السبت 27/مايو/2017 - 01:54 م
طباعة
 
حالتنا العقلية والقيمية والسلوكية لا تسر الذات، ولا العدو ولا الحبيب؛ ولا الصديق وأخطر ما فيها أننا لا نستشعر خطورتها الداهمة على عقل الأمة المصرية، ولا على حياتنا ومستقبلنا، والأخطر ... الأخطر أننا نتعايش معها، وأصبحت تبدو عادية ومألوفة، وتبدو وكأنها طبيعية، وكأنها قدرنا التاريخي! حالة خطيرة جدًا، وتحتاج إلى الهتك والتحليل حتى ولو أدمى ذلك ذواتنا وكبرياءنا المتضخم الذى ينطوى على العجز والانكسار والفشل التاريخي.


كارثية هذه الغمامة القاتمة التى تظلل وجه الوطن والدولة والمجتمع من الجهل والمعرفة المشوشة والكلام المرسل على عواهنه، والتعميمات الاعتباطية وأحكام القيمة الأخلاقية، واللغة المسكونة بامتلاك الحقائق المطلقة والإقصاءات، ومديح الذات المفرط، وازدواجية المعايير! خذ على سبيل المثال أحاديث، وخطابات، وتعليقات بعض قادة النخبة السياسية الحاكمة، فى أمور السياسة، أو الأمن، أو الدين، أو الاقتصاد، أو الصحة أو التشريع ... إلخ!

إننا إزاء تيار من خطابات السذاجة، وضعف المعرفة، والتخصص من وزراء إلى أعضاء برلمان، إلى بعض الحزبيين أو النشطاء، تشير إلى اعتلال فى عقل النخبة السياسية الحاكمة والمعارضة، وأنها لا تختلف كثيرًا عن أحاديث يطلقها بعض من يسمون «بالخبراء» فى تخصصات مختلفة، حيث تسيطر عليهم السطحية المفرطة والعفوية المحمولة على غياب المعلومات وعدم القدرة على تحليل الظواهر والمشكلات، والنزوع إلى استدعاء الأمنيات الفكرية. هذه الظاهرة الممتدة منذ عديد العقود، تشير إلى عدم اعتماد غالب رجال الدولة على البحوث العلمية الرصينة التى تنتجها مراكز البحث المصرية والعالمية فى عديد التخصصات، وأن العقلية «الفهلوية» هى السائدة والمسيطرة على حياة الدولة وغالب أجهزتها، وفى الحياة العامة. ويبدو أن تمددها يعود إلى عديد الأسباب وعلى رأسها ما يلي:

1- تراجع الطلب الدولتى والسياسى والاجتماعى على البحث العلمى كأساس فى عملية صياغة السياسات والقرارات الحكومية، فى ظل لا مبالاة النخبة السياسية الحاكمة بالتعليم ونوعيته، وتراجع اهتمامات بعض الجمهور بالمعرفة العلمية فى مجال العلوم الطبيعية والاجتماعية.

2- ضعف السياسات التعليمية والمناهج، ومستويات تكوين المعلمين والمعلمات وأساتذة الجامعات، والأخطر شيوع الفكر الخرافى والميتافزيقى فى شروح المعلمين والمعلمات فى المدارس الابتدائية والإعدادية لاسيما فى ظل غلبة الذهنية الريفية، وترييف مهنة التدريس.

3- التغير فى نظام القيم ومعايير وآليات الحراك الاجتماعى لأعلى من فئة وشريحة اجتماعية لأخري، وتراجع قيمة التعليم والثقافة لصالح قيمة وامتلاك الثروة والمال، فى ظل تغير النظرة الاجتماعية والأخلاقية لمعنى السواء السلوكى والأخلاقى وقيمة النزاهة والشرف لدى شرائح اجتماعية مختلفة من المصريين، وإزاء الرشوة واختلاس المال العام، وأشكال الخروج على القانون فى الوظيفة العامة، وفى المجتمع.

4- اتساع الفجوات المعرفية والعلمية بين الجماعات الأكاديمية والعلمية والبحثية المصرية، وما يجرى فى عالمنا فى المختبرات البحثية فى العلوم الطبيعية، والاجتماعية.

5- نمطية السياسات البحثية فى مجال العلوم الاجتماعية، مع تراجع فى مستويات تكوين الجماعة البحثية المتخصصة فى الفروع العلمية المختلفة، ومتابعتها للتطور النظرى والتطبيقى العالمى فى تخصصها. من ناحية أخرى ضعف البحوث الحقلية الجادة.

6- ضعف الميزانيات المالية المخصصة للإنفاق على البحوث الطبيعية والاجتماعية، مع ترهل الجهاز الإدارى الذى أصبح يشكل عبئًا على سياسة البحث داخل هذه المؤسسات.

7- هيمنة العقل الدينى النقلى والثقافة الدينية الريفية الشعبية، وتمددها فى أجهزة الدولة، وداخل الأرياف والمدن المريفة، وهو ما كرس نمطا من التوظيف التأويلى والتبريرى للقيم الدينية وتحولها إلى أقنعة للمداراة والمخاتلة، لإخفاء مضمرات الذات المزدوجة وتناقضاتها ومصالحها الأنانية الضيقة، وتحول الخطاب والعلامات واللغة والأمثولات الشعبية حول الدين لأداة لممارسة الاستعلاء على طالبى الخدمات من أجهزة الدولة، أو لستر اللاكفاءة وعدم الأمانة الوظيفية فى أداء العمل، أو الكسل وأشكال المراوغة والتهرب من العمل الجاد كمًا ونوعًا.

8- شيوع ثقافة التبرير للكسل والتقاعس عن الأداء الكفء للعمل.

9- أزمة الانتماء الوطني، والقيم العامة الموحدة لأبناء الأمة، نظرًا لنمو حالة التشظى القيمى حول مفهوم الأمة الواحدة الذى تآكلت بعض موحداتها، نظرًا لشيوع الطائفية الدينية والمذهبية، ومن ثم لم تعد معايير الكفاءة والموهبة والمعرفة العميقة المتخصصة، هى السائدة وإنما المداهنة والنفاق والمحسوبية والواسطة ووراثة المهن والوظائف هى آليات الترقى والنجاح فى عديد الوظائف والمهن.

إنها حالة من القتامة وروح اليأس المفعمة باللامبالاة وغياب روح المبادرة والأمل والعمل الجماعى الجاد. ووراءها العودة إلى سياسة اللاسياسة، أو «موتها الإكلينيكي» ومن ثم الخروج منها عبر الطلب السياسى والاجتماعى للمعرفة والبحث العلمى فى ظل إصلاح سياسى ديمقراطى وعلمى شامل.

شارك