ما وراء إعلام الوعى المهدور!

الخميس 26/أكتوبر/2017 - 03:52 م
طباعة
 

حالة الإعلام المصرى المرئى والمسموع والمكتوب، تبدو فى أكثر أوضاعها سوءًا وترديًا وفقدانا للمهنية باستثناءات محدودة، ولم تعد الانتقادات القاسية على هذا النمط من الأداء قصرًا على المثقفين، والمتخصصين وثقاة المهنيين، وإنما امتد الاستياء إلى قطاعات واسعة من «المواطنين» وهو ما يبدو فى رفض أداء بعض مقدمى البرامج التلفازية الحوارية الساذجة على القنوات الخاصة، والسخرية اللاذعة والجارحة إزاءها على مواقع التواصل الاجتماعي، ناهيك عن انصراف غالبُ الجمهور المتلقى عن القنوات الرسمية ومستويات أدائها البليدة! ثمة نكوص عن مشاهدة البرامج، وتحول المشاهدين نحو القنوات الفضائية الدولية سعيًا وراء التغطيات الإخبارية، والبرامج الحوارية التى تتسم بالحد الأدنى من المهنية، وسرعة متابعة الأخبار والأحداث والتعليق عليها، أو مناقشة جادة فى حدودها الدنيا لأسبابها، وأطرافها، ونتائجها، ومآلاتها، بقطع النظر عما وراء السياسات التحريرية لهذه القنوات وأهدافها التى تُعبر عن مصالح الدول والهيئات التابعة لها. ثمة تحول أيضًا نحو القنوات الفضائية العربية ـ وما وراءها من سياسات ومصالح مموليها ودولهم ـ بما فيها بعض القنوات التى تعكس تحالفات وصراعات إقليمية، تتنافى ومصالح الدولة والأمة المصرية، وهو ما يعنى أن غالبُ الأداء الإعلامى المصرى الذى يفتقد إلى المهنية فى السياسة الإعلامية والتحريرية، يسهم فى دفع جماعات المشاهدين والمستمعين إلى استهلاك خطابات إعلامية مرئية ومسموعة ومكتوبة ـ من خلال المواقع الإخبارية على الواقع الافتراضى يشكل بعضها أو غالبها نقيضًا لما تريده النخبة السياسية الحاكمة فى مصر!، وذلك من خلال تركيز هذه الخطابات الإعلامية المسيسة على الاختلالات والأخطاء فى السياسة، والأمن، والاقتصاد، والثقافة، ونمط الحياة الاستثنائية المعسورة فى بلادنا! أيًا كان مدى دقة أو موضوعية المعالجات التى تقدمها هذه القنوات العربية أو الأجنبية الفضائية، وهو ما يسهم فى تراكم الغضب الجماعي، ويؤجج مشاعر الاستياء، والإحباط والرفض، وفقدان الأمل فى مستقبل التطور السياسى والاجتماعى والاقتصادي. السؤال الذى نثيره هنا لماذا تدهور الأداء التلفازى والصحفى خلال مراحل الانتقال السياسى الثلاث؟ يمكن لنا أن نحدد بعض هذه الأسباب فيما يلي

تضخم أعداد الصحفيين، ومقدمى ومعدى البرامج التلفازية، ممن يفتقرون إلى الحد الأدنى من التكوين المتخصص، وغياب التدريب المستمر، وإعادة التأهيل، وفق تطور وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة، سواء على المستويات النظرية أو التطبيقية أو التقنية، لاسيما فى ظل الثورة الرقمية السريعة والمتلاحقة والنوعية. غياب تقييمات نقدية وموضوعية ومعيارية لأداء العاملين فى هذه الحقول الصحفية، واستبعاد العناصر غير الكفء واللامهنية، نظرًا لتواطؤ الحكومات المتعاقبة مع هذا الأداء حتى لا تثير غالبية العاملين فى الصحف والتليفزيون والإذاعة. 3_ استخدام بعض أجهزة الدولة القومية للإعلام كأداة للتبرير ودعم الحكومة والمساندة السياسية، وكأننا لا نزال نعيش فى عقد الستينيات من القرن الماضي، ولا توجد بدائل إعلامية محلية أو إقليمية أو دولية، بينما ثورة مواقع الاتصال الاجتماعى الرقمية هادرة بالأخبار والمعلومات والتحليلات وبعض الأكاذيب ... إلخ، ولم تعد الحكومات قادرة تقنيًا على السيطرة عليها، أو حجبها، لتوافر إمكانية الوصول إليها رقميًا فى لحظات الأزمات والانفجارات السياسية والاجتماعية الكبري، وهو ما حدث عقب وقف هذه المواقع فى أثناء أحداث يناير 2011! . 

4_ الخطاب التلفازى الغوغائى والساذج والزاعق سيطر فى أثناء وأعقاب المراحل الانتقالية الأولى والثانية، ثم الثالثة المستمرة، وذلك سعيًا وراء تحقيق نسب عالية من المشاهدة من أجل جذب الإعلانات، ومن ثم لأهداف مالية، أما السياسية فتتمثل فى إقصاء الثقاة من المثقفين والخبراء الجادين، ومن ثم رفض إشاعة الجدية، والتحليلات الموضوعية التى تشير إلى أسباب ومواطن الخلل فى الأداء العام الرسمى أو المعارض، ومن ثم إنارة الوعى السياسى والاجتماعى لدى المواطنين. من هنا تم استدعاء ما يطلق عليهم «فيالق الخبراء» من الذين يطمئن إلى آرائهم من مسئولى هذه القنوات الخاصة، ولا يسببون لها مشكلات مع بعض أجهزة الدولة، وغالب هؤلاء ـ لا كلهم ـ خطابهم مكرر، ويعاد إنتاجه، ويفتقر إلى التحليل والتفسير لاسيما فى بعض قضايا الإرهاب، والأمن، أو يقولون بعض خبراتهم الوظيفية السابقة التى لم تعد كافية لتفسير ظواهر إرهابية متطورة ومتغيرة! 5_ خلط بعض مقدمى البرامج التلفازية بين وظيفتهم مهنيًا فى طرح الأسئلة والحوار حولها مع ضيوف برامجهم، وبين دور الناشط السياسى المعارض، واعتقاد بعضهم أنه يمتلك سلطة رمزية على الضيوف والمشاهدين، وبعضهم تصور أنه زعيم سياسي، أو أن سلطته تعلو على كل السلطات، وأنه يملك توجيهها وفق آرائه وأهوائه وطموحاته الزعامية! 6_ تدهور مستويات بعض الصحفيين على نحو خطير، أدى إلى انصراف نسب كبيرة من القراء عن قراءة الصحف ناهيك عن جذب الإعلام التلفازى والرقمي، ومواقع التواصل الاجتماعى لهؤلاء، فى ظل غياب سياسة لتطوير الصحف القومية والمستقلة


لا شك أن هذه الحالة تتطلب تغييرًا كبيرًا فى السياسة الإعلامية، وفق دراسة علمية لأداء هذه الصحف، والقنوات التلفازية القومية والخاصة تقوم بها جهة بحثية متخصصة، وتقارير دورية عن أداء وسائل الإعلام، ورؤى بديلة لسياسة إعلامية فى عالم مفتوح وبلا حواجز، عمادها المهنية، وحرية التعبير والكفاءة والتخصص المهنى والحوار الموضوعى الحر دونما قيود تحول دون تنوير الوعى السياسى والاجتماعى لجماعات القراء والمشاهدين والمستمعين، وإلا سيسهم هذا التردى المهني، فى تزايد الغضب وانصراف الجمهور عن المشاهدة والقراءة والاستماع إلى هذه الأجهزة والانحدار إلى المزيد من التردى الإعلامى والصحف! إن الثمن السياسى للإعلام اللامهنى وغير الكفء باهظ وخطير، بينما المهنية والكفاءة لا تكلف إلا بعض النقد، وفتح الأبواب أمام نظرات مختلفة تفيد فى إصلاح الرؤى والسياسات وتطوير الأداء، ومن ثم النظر إلى الأمام والانطلاق

شارك