من دروس بئر العبد.. غياب البُعد الإنساني في مكافحة الإرهاب

الخميس 14/ديسمبر/2017 - 01:44 م
طباعة
 

لا يمكن أن ينكر أحد أن رد فعل الدولة في التعامل مع حادث تفجير جامع الروضة كان غير مسبوق، ويستحق التحية والتقدير، وكونه غير مسبوق لا يرتبط برمزية صلاة الجمعة التي دعا لها شيخ الأزهر في جامع الروضة الذي وقعت فيه العملية الإرهابية، ولا بإعلان جهاز تعمير سيناء منذ أيام عن تخصيص 20 مليون جنيه لتطوير بئر العبد، وإنما يرتبط بنامي الجهود غير الرسمية من أجل المشاركة في عمليات تطوير قرية الروضة وغيرها من القرى الـ23 الموجودة في بئر العبد.

وهذه الجهود تنطلق من فكرة رئيسية، مفادها أن تحقيق التنمية الاقتصادية في بئر العبد، وغيرها من المدن التي تحولت إلى هدف للعناصر الإرهابية النشطة في شمال سيناء، سيسمح بتحصين هذه المناطق في مواجهة تأثير العناصر الإرهابية، وسيجعل الدولة بمؤسساتها حاضرة في رفع معاناة سكان هذه المناطق، بدلاً من أن يتحولوا إلى فئة يسهل التأثير فيها من قبل العناصر الإرهابية عن طريق توفيرهم المال والمساعدات، وهو ما ثبت بالممارسة أن عدم قيام الدولة بذلك ينتج عنه توسيع العناصر الإرهابية من الدوائر الحاضنة لها في هذه المناطق، والتي توفر لها أشكالًا مختلفة من الدعم في وجودها وعملياتها.

ولكن هناك دومًا أهمية للبعد الإنساني في سياسات مكافحة الإرهاب، والذي يهتم، ليس فقط بمكافحة العناصر الإرهابية، وإنما أيضًا بكيفية التعامل مع المناطق التي تشهد عمليات إرهابية، ويسقط نتيجة لها قتلى ومصابون، حيث يركز البعد الإنساني على الاهتمام بالمواطن الفرد من خلال مجموعة من البرامج التي تهدف إلى بناء قدرات هذا المواطن، ليكون أكثر قدرة على احتمال وقوع عمل إرهابي في مربعه السكني، وعلى التصرُّف بصورة تقلل حجم الخسائر البشرية، فكما تشير شهادات بعض الناجين من الهجوم على جامع الروضة، الذي وقع نهاية نوفمبر 2017، إلى أن سيارات الإسعاف تأخرت في الوصول، وهو ما ترتب عليه بالتبعية عدم حصول بعض الضحايا على الإسعاف الأولي اللازم في وقت ملائم، وهو ما قد يكون أسهم في ارتفاع عدد ضحايا هذا الحادث.

كما يهتم هذا البُعد ببرامج الصحة النفسية، والتي تهدف إلى تمكين أي شخص تعرَّض أو تصادف وجوده في مكان وقوع العمل الارهابي، ليكون أكثر قدرة نفسيًا على مقاومة الخطاب المتطرف للعناصر الإرهابية، فعادة ما تتعامل العناصر الإرهابية مع من نجا من العمل الإرهابي على أنه مشروع "إرهابي محتمَل" أو "متعاون محتمَل " معها، فتحرص على التواصل معه وإغراقه بأفكارها المتطرفة، مستغلة في ذلك عدم وجود برامج حقيقية من الدولة أو من المجتمع المدني للتواصل مع هذه الفئة، ويكشف العمل الميداني عن أن الأطفال والنساء هم الأكثر عرضة لذلك دون غيرهم، خاصة في حال انتمائهم لأسر فقدت أحد أعضائها أو عائلها الوحيد في الحوادث الإرهابية.

إلى جانب ذلك، يهتم البعد الإنساني في سياسات مكافحة الإرهاب بجانب التوعية، ويُعد هذا الجانب هو نقطة البداية الحقيقية في البعد الإنساني لمكافحة الإرهاب، وفي حال عدم تحققه بصورة ناجحة، فإن معظم السياسات التي يتم تبنيها لا تحقق النتائج المرجوة منها.

ويلاحظ أنه حاليًا أصبح موضوع التوعية مستهلكًا في العديد من الندوات والمحاضرات التي تنظمها جهات مختلفة في الدولة، سواء كانت رسمية أو غير رسمية، كما أن أنشطة التوعية هذه لم تحُل دون انجذاب العديد من الشباب في محافظات مختلفة للفكر المتطرف وقيامهم بأنشطة إرهابية كما انتهيت في ذلك لدراسة أعد لنشرها خلال الفترة المقبلة.

ومسألة التوعية هي مهمة واجبة على المجلس القومي لمكافحة الإرهاب والتطرف، ولم يقم بها بعد، وأدعوه إلى أن يتولى وظيفة التخطيط لبرامج التوعية على نحو يسمح بوجود برامج متكاملة تنفذ في هذا السياق، وليس مجرد أنشطة لحظية، كما من المهم أن يلعب المجلس في هذا المجال دورًا تنسيقيًا وإشرافيًا يتابع من خلاله ما ينفذ فعلاً من مؤسسات الدولة ومنظمات المجتمع المدني، ويقيم ما ينفذ على الأرض.


نقلاً عن مصراوي

شارك