تداعيات صعود "أوربان" في المجر على اليمين وملف اللاجئين في أوروبا

السبت 14/أبريل/2018 - 08:24 م
طباعة تداعيات صعود أوربان
 
بسمة سعد

تمكن حزب رئيس الوزراء المجري المنتهية ولايته "فيكتور أوربان" من تحقيق انتصار انتخابي يُوصف بالتاريخي بعدما تمكن, وفقاً للنتائج الرسمية الجزئية الصادرة عن المكتب الوطني للانتخابات، من الحصول على تأييد 48.8 % من الأصوات لحزبه المُتحالف مع الحزب المسيحي الديمقراطي تقدم خلالها على حزب "الحركة من أجل مجر أفضل" المعروف باسم حزب "يوبيك" القومي المتشدد بما يقرب من ثلاثين نقطة، في ظل مشاركة انتخابية مرتفعة وصلت لـ 69.2%.

 ترتيباً على ما سبق، جاء الحديث عن إمكانية حصد "الاتحاد المدني المجري" "فيديس" الذي يتزعمه "أوربان" وهو حزب يميني شعبوي مع حزب المسيحي الديمقراطي، 133 مقعداً من اجمالي 199 مقعداً في البرلمان أي ما يعادل بل ويتجاوز الثُلثين وبالتالي ضمان تولى رئاسة وزراء المجر للمرة الثالثة على التوالي والرابعة في تاريخ المجر، وهو ما تم ترجمته على إنه تأييد شعبي لسياسات "أوربان" المُثيرة لقلق الاتحاد الأوروبي والتي تلقي رواجها لدى أحزاب اليمين المتطرف في أوربا لاسيما في ظل ارتفاع نسبة مشاركة المجريين في تلك الانتخابات.

دوافع التجديد الشعبي لـ"أوربان":

أثارت الظروف الاقتصادية والاجتماعية والتي تم ترجمتها في تدنى مستوى الخدمات الصحية العامة وتراجع مستوى كافة الخدمات العامة الوطنية إلى جانب انخفاض مستوى القوة الشرائية وانتشار المحسوبيات والممارسات الفاسدة في العديد من مؤسسات الدولة والتى فسرت جميعها سبب تدهور الوضع الاقتصادي الوطنى والذي دفع المجريين خاصة الشباب للبحث عن فرصة عمل بالخارج أو عن سبيل للهجرة، التساؤل حول الدوافع الكامنة وراء التجديد الشعبي لـ"اوربان" على الرغم من طبيعة الوضع ااقتصاد الذي يُثير غضب وقلق العديد من المواطنين، وهو ما يمكن تفسيره كالتالي:

ü    لم تحظي باقي التيارات السياسية الأخري سواء كانت ليبرالية أو يسارية بمصداقية الشارع المجري وهو ما يُفسر تدنى نسبة الاصوات المؤيدة لها وكذلك عدد المقاعد في البرلمان؛ فلقد حصل حزب "يوبيك" الذي احتل المرتبة الثانية في البرلمان على 26 مقعد فقط. 

ü    انتشار الأحزاب الوهمية التى يأتى ظهورها قبل شهور قليلة من العملية الانتخابية وتسعي من خلال مشاركتها للحصول على عدد محدود للغاية من الاصوات لإثبات وجودها ثم سرعان ما ينسحبوا عن المشهد، ويأتى الهدف من ذلك هو الحصول على المبالغ المالية التى تخصصها الدولة للحملات الانتخابية والتى تصل إلى 9.5 مليون يورو.

ü    اعتمد "أوربان" في حملته الانتخابية الأخيرة على الترويج لخطر "المهاجرين واللاجئين" على الثقافة المسيحية على العكس من كافة التيارات والاحزاب الأخري التى انصب اهتمامها على انتقاد الوضع الاقتصادى للدولة وهو ما يعكس تفوق "أوربان" في تصدير مخاوفة من مخاطر استقبال الدولة للاجئين والمهاجرين للشارع المجري والتى تتمثل في الضغط على الاقتصاد الوطني والاضرار بالوضع الأمنى بارتفاع معدلات الجريمة وزيادة التهديدات الإرهابية، هذا إلى جانب الترويج لتغيير الطابع الثقافي للدولة.

ü    تمكن حزب "فيديس" من كسب تأييد عدة مؤسسات وطنية لزعيمه "أوربان" وبشكل قانوني بفضل حصوله على أغلبية الثُلثين في البرلمان، وهي تابعة لقطاع الاعلام أو القضاء أو الثقافة أو حتى الاقتصاد الذي يستحوذ رجال الأعمال المقربون من "أوربان" على عدة اسهم في البنوك ومؤسسات الطاقة والبناء وكذلك السياحة وخلال الولاية الثالثة لـ "أوربان" من المتوقع توسع نشاط رجال الاعمال المقربون من"أوربان".

             ومن الجدير بالذكر, أن "أوربان" تمكن من الحصول على اغلبية الثُلثين في الانتخابات التشريعية التي أُجريت في عام 2010 وبالتالي ترأس الحكومة المجرية للمرة الثانية في تاريخ المجر بعدما كان اصغر رئيس وزراء مجري تولى المنصب وهو في عمر الخامسة والثلاثين في عام 1998 واستمر حكمه حتى عام 2002 ولم يُجدد له لولاية تالية نظراً لإقراره عدة سياسات راديكالية في شتى المجالات في ظل ظروف سياسية واقتصادية مغايرة عن الوضع الحالي تشهدها اوروبا وكذلك بودابست, أدت لنشوب خلافات بين احزاب ائتلافه الحاكم وبالكاد امتدت تلك الخلافات بين "أوربان" والاحزاب المعارضة.

                استغل "أوربان" حصده لأغلبية الثُلثين في البرلمان في عام 2010 وادخل تعديلين دستوريين أحدهما يتعلق بدعم الزواج التقليدي، أما الثاني فيتعلق بخفض عدد مقاعد البرلمان من 386 مقعدًا إلى 199 مقعدًا، كما تمكن "أوربان" من الحفاظ على شعبيته بحصده ثُلثي مقاعد البرلمان المجري للمرة الثانية على التوالي في عام 2014 وهو ما يدفع بتوقع إجراءه تعديلات دستورية خلال ولايته  الثالثة على التوالي تُعزز من شرعية سياساته خاصة تجاه ملف اللاجئين.

تداعيات معاداة "أوربان" اللاجئين والمهاجرين المسلمين:

                عُرف "أوربان" بسياساته الحادة تجاه ملف اللاجئين والمهاجرين غير المسيحيين؛ لرؤيته بأنهم يُمثلوا تهديداً للهوية المسيحية رافضاً التعددية الثقافية ليس فقط في المجتمع المجري وإنما في المجتمع الاوروبي بأكمله، كما صور بلاده بأنها المعقل الوحيد الصامد أمام "أسلمة" أوروبا، ووصل به الأمر لوصف عملية تدفق المهاجرين واللاجئين غير المسلمين لبودابست بـ"الاحتلال". وترتيباً على ما سبق, من المُتوقع تنفيذ "اوربان" لسياساته التي أعلن عن انتهاجها خلال حملته الانتخابية والمُتمثلة في :

ü    فرض سياسات لتضييق الخناق على الجمعيات والمنظمات المُدعمة للاجئين والمهاجرين المسلمين مثل " لجنة هلسنكي المجرية" التي تُقدم لهم استشارات قانونية مثل فرض الضرائب, ومنع تلك الجمعيات من الاقتراب من المناطق الحدودية لمسافة لا تتعدى 8 كلم؛ حيث يقوم طالبو اللجوء بتقديم طلباتهم، فضلاً عن ضرورة حصولها على إذن مسبق من الدولة للتعاون مع اللاجئين والمهاجرين.

ü    طرح مشروع قانون في البرلمان المجري يحمل اسم " أوقفوا سوروس" كسبيل للتصدى لسياسات اليهودي الامريكي المجرى الأصل "جورج سوروس" المُدعم عن اللاجئين والمهاجرين؛ حيث يعمل "سوروس" على إقامة العديد من المشاريع الثقافية والتعليمية وتمويل منظمات المجتمع المدني وتقديم منح دراسية ألقت بظلالها على تنامي نفوذه وشعبيته بين الشباب، وهو ما أدى لإثارة القلق والمخاوف حول إعادة تكرار ما يُطلق عليه بـ"الثورات الملونة" في الدول التابعة للاتحاد السوفيتي سابقاً مثلما حدث في أوكرانيا التي شهدت "الثورة البرتقالية" في عام 2004.

ü    الشروع في بناء سياج جديد لمنع المهاجرين من اختراق الحدود المجرية وتعزيز القوات الأمنية والإمكانيات التقنية لاسيما بعدما أعلنت عن استعدادها لبناء سياج  ثان على الحدود الجنوبية وذلك على غرار السياج الذي تم انشاءه على حدودها مع صربيا.

تداعيات صعود أوربان

تداعيات الصدام الأوروبي المجري:

                دخل "أوربان" في صدام مع الاتحاد الاوروبي، الذي حصلت بوادبست على عضوية فيه في عام 2004، على إثر تلك القضية عقب اقرار الاتحاد بتطبيق نظام "حصص الهجرة" إثر الاضطرابات التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط لاسيما منذ عام 2015، وهو ما دفع "أوربان" في اكتوبر عام 2016 لإجراء استفتاء حول رفض الخطة الأوروبية لتوزيع اللاجئين، إلا إنه بعدم حصول الاستفتاء على النصاب القانوني، أي 50% ممن يحق لهم التصويت، أصبح كأن لم يكن.

من المفارقة في علاقة "اوربان" بـ " سوروس،" هو أن الأول حصل في عام 1989 على منحة من "مؤسسة سوروس" التي أسسها " جورج سوروس " للدراسة لمدة أربعة أشهر في جامعة أكسفورد البريطانية

لم تصل حالة الصدام بين "أوربان" وائتلافه الحاكم مع الاتحاد الاوروبي للحد الذي يدفع الأول للحديث حول الخروج من الاتحاد أو حتى تنظيم استفتاء شعبي للخروج على غرار الاستفتاء الذي اجرته بريطانيا، لاسيما في ظل تعدد السياسات الخلافية بين الجانبين بخلاف قضية "اللاجئين" التي جاءت على رأس تلك السياسات وهو ما يمكن ارجاع تفسيره بأن بودابست من الدول الرئيسية التى من اموال الاتحاد التى ساهمت في انعاش اقتصادها الوطنى عقب الأزمة الت تعرضت لها.

                 ويمكن الاستدلال بقبول "اوربان" لعدد محدود من اللاجئين من ضمن 1300 لاجئ وهي حصة المجر من توزيع اللاجئين؛ لتفسير بقاء حالة الشد والجذب بين ائتلافه الحاكم والاتحاد طالما بقي في السلطة. كما من المتوقع في ظل انتهاج المجر لسياسة متشددة مع اللاجئين, قبول مقترح المفوضية الاوروبية بفرض عقوبات مالية تصل إلى 290 ألف دولار لكل فرد يتم رفض استقباله كلاجئ من دول الاتحاد.

وختاماً، كان فوز الحزب اليمينى الشعبي في اطار تصاعد الأحزاب اليمينية في أوروبا في ظل تحولات سياسية تشهدها القارة كان وسبق أن القت منطقة الشرق الوسط وما شهدته من تغيرات سياسية واقتصادية بظلالها عليها، بالامر المتوقع في ظل حفاظ "أوربان" على شعبيته لولاياتين، وهو ما قد يترتب عليه تشكيل تحالف ثانى بخلاف تحالف دول وسط اوروبا يضم (المجر وإيطاليا والنمسا) ذوات التوجهات اليمينية المتطرفة والتى لعب ملف اللاجئين والمهاجرين دوراً رئيسياً في وصولهم للسلطة حتى إنه بفوز "أوربان" روجت تلك الاحزاب بأن فوزه يعنى التجديد الشعبي لرفض دعم الاتحاد الاوروبي للاجئين والمهاجرين .   

شارك