استهداف جديد قديم: السياسة التركية تجاه الأكراد

الأحد 08/يوليه/2018 - 04:13 م
طباعة استهداف جديد قديم:
 
مصطفى صلاح

تتباين المواقف التركية تجاه العديد من القضايا، إلا أن ملف الأكراد وقضيتهم ومستقبلهم في المنطقة، يحتل الجانب الأكبر في توجهات تركيا الداخلية والخارجية، بل إن هذا الملف يعتبر أحد الثوابت التي يمكن من خلالها  تحليل السياسة التركية وأهم محدداتها خاصة تجاه الدول التي يمثل المكون الكردي أحد روافدها الداخلية مثل سوريا والعراق وإيران.

إن السياسة التركية الخارجية تمثل انعكاسًا لمحصلة من التفاعلات والسياسات الداخلية تجاه الأكراد؛ حيث تتبع تركيا استراتيجية من شأنها مقاومة وتطويق الأكراد في الداخل والخارج، على الرغم من كون الأكراد تمثل أكبر أقلية عرقية داخل تركيا بنسبة 20%، إلا أنها في الواقع تفتقر حتى الآن إلى دستور يكرس مبدأ المواطنة ويراعي التنوع الثقافي والعرقي والإثني في البلاد.

الأكراد والحق المفقود

لعب الأكراد دورًا هامًا في حرب التحرير التي قادها "مصطفى كمال أتاتورك" – مؤسس الجمهورية الحديثة – في عام 1922، التي نجحت في إقامة دولة تركيا على أنقاض الدولة العثمانية، وعلى الرغم من مشاركتهم إلا أنهم حرموا من فرصة إقامة دولة مستقلة خاصة بهم، وذلك بعد أن رأى "أتاتورك" أن أهم الأسباب التي أدت إلى سقوط الدولة العثمانية هو وجود العديد من العرقيات والإثنيات المختلفة، مما دفعه إلى تبني سياسة إقصائية كان من شأنها الوقوف أمام هدف الأكراد المتعلق بإقامة دولة لهم في الجنوب التركي بنظامها الجديد، ذلك لتجنب نفس مصير الإمبراطورية السابقة.

لم يقف الأمر عند أتاتورك وحده، بل إنه امتد ذلك لخلفائه من الرؤساء، بأساليب أخرى قد تكون أكثر تشددًا وإجحافًا، وعليه؛ تعددت مظاهر الاضطهاد من قِبل السلطات التركية تجاه الأكراد؛ ولعل أبرز تلك المظاهر تتمثل في التالي: (التضييق على تعلم اللغة الكردية، والتمييز في فرص العمل، وكذلك القبول بالجامعات، والتهميش الذى تتميز به مناطق الأكراد في معظمها بغياب عمليات التنمية والتأهيل، فضلاً عن المواجهة المسلحة ضدهم وأحزابهم السياسية).

الأكراد والمواجهة العسكرية

في الـــ 27 من نوفمبر/ تشرين الثاني 1978، تم إنشاء حزب "العمال الكردستاني" الكردي في "ديار بكر"، بطريقة سرية على يد عدد من الطلاب الماركسيين الأكراد، بينهم "عبد الله أوجلان" الذي اختير رئيسًا للحزب وتم استهدافه من جانب الحكومة التركية، وفي عام 1984، بدأ حزب العمال نشاطه العسكري في مواجهة الحكومات التركية المتتالية، واعتقل زعيمه "أوجلان"، في 1999، وفي عام 2010، وعلى الرغم من الصدامات العسكرية بين الجانبين، فقد عُقدت مفاوضات سرية بين حزب العمال الكردستاني والحكومة التركية في العاصمة النرويجية "أوسلو"، لكنها لم تسفر عن نتائج إيجابية.

الداخل التركي

في ظل سيطرة حزب "العدالة والتنمية" على الحكم عقدت الحكومة التركية اتفاقًا مع الأكراد بوقف إطلاق بعد مطالبة "أوجلان"، بوقف إطلاق النار من جانب واحد لإنهاء النزاع المسلح من أجل حكم ذاتي للأكراد، واستمر وقف إطلاق النار إلى عام 2004؛ حيث أعلن الحزب العودة إلى العمليات العسكرية ضد تركيا.

وعلى ذلك، شهد عام 2012، تصاعدًا للقتال بين الجانبين واعتقلت الحكومة التركية العديد من الناشطين الأكراد، وفي أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه أجريت جولة جديدة من المفاوضات بين الحكومة التركية والحزب الكردستاني.

الجدير بالذكر؛ أن علاقة الحكومات التركية بالأكراد شهدت مراحل عدة بين التوتر والتصعيد والتوافق، وإن كان أبرز مظاهرها المواجهات المسلحة، إلا أنها شهدت سلسلة من المفاوضات حول تسوية الأزمة سلميًا؛ ففي 28 ديسمبر/ كانون الأول 2012، أعلن رئيس الوزراء التركي آنذاك، "رجب طيب أردوغان"، عن محادثات مع رئيس حزب العمال "أوجلان" في السجن من أجل التوصل إلى سلام، ولا يزال "أوجلان"، المسجون حاليًا في تركيا، يتزعم الحزب وكانت مفاوضات السلام تجري معه في محبسه رغم صدور حكم بالإعدام عليه.

استهداف جديد قديم:

وفي 21 مارس/ آذار 2013، شهدت مفاوضات جديدة بين "أوجلان" -في سجنه بجزيرة "أميرالي" في بحر مرمرة-  وبين مسؤولين في الاستخبارات التركية، وعليه أعلن الحزب رسميًا وقف لإطلاق النار مع تركيا، وذلك في أعقاب الدعوة التي وجهها "أوجلان" لإنهاء النزاع المسلح، ووقف القتال وإعلان بداية عهد جديد، يجب أن تعلو فيه السياسة على السلاح"، مضيفًا "الآن وصلنا إلى مرحلة يتعين فيها على العناصر المسلحة الانسحاب إلى خارج حدود تركيا".

وعلى الرغم من تهدئة التوترات بين الطرفين، إلا أن العلاقات بينهم تشهد مزيدًا من التعقيد، ظهرت بشكل واضح بعدما أعلن الحزب في أغسطس/ آب 2015، 16 منطقة في جنوب شرق تركيا مناطق حكم ذاتي خاضعة له، وحفر الخنادق وتحصن في هذه المناطق، تلا ذلك عمليات عسكرية تركية نجحت في إعادة السيطرة على هذه المناطق، وتم القضاء على 2544 مقاتلًا من العمال الكردستاني في العمليات، في حين قتل 465 جنديًا ورجل أمن من الجانب التركي، حدث ذلك بعد انهيار الهدنة بين "أردوغان" والحزب في يونيو/ حزيران 2015.

الخارج التركي

على المستوي الخارجي اتبعت تركيا سياسة خارجية تجاه الأكراد لا يمكن أن تنفصل عن توجهاتها الداخلية تجاههم؛ حيث استمرت تركيا في قتالهم في الدول المجاورة خاصة سوريا والعراق، بل وعملت على حصارهم وتقديم سياسة خارجية مرتكزة على الحلول العسكرية  الاستباقية دون غيرها من الوسائل.

ففي العراق اتبع "أردوغان" سياسة التدخلات العسكرية وغيرها من الوسائل الأخرى، ظهر ذلك بشكل واضح تجاه الاستفتاء على انفصال إقليم كردستان العراق في 25 سبتمبر/ أيلول 2017، تجسد ذلك بدعوة مجلس الأمن القومي التركي بالانعقاد في 22 سبتمبر/ أيلول 2017، قبل الموعد المحدد للاستفتاء بأيام قليلة لإرسال رسالة قوية للأكراد في العراق خشية انتقال الأحداث للداخل التركي، ومن قبل في 21 أغسطس/ آب 2017، أعلن "أردوغان" أن أنقرة وطهران ناقشتا إمكانية القيام بتحرك عسكري مشترك ضد الجماعات الكردية المسلحة.

ومن قبل في 25 أبريل/نيسان 2017، نفذ الجيش التركي ضربات جوية على أهداف لمسلحي حزب العمال الكردستاني قرب جبال سنجار بالعراق وفي شمال شرق سوريا لمنع الجماعة من إرسال أسلحة ومتفجرات لشن هجمات داخل تركيا. كما شهد يوم الـــ 11 من يونيو/ حزيران 2018، قيام الجيش التركي بالعديد من الضربات الجوية على 11 هدفًا مستهدفًا قواعد حزب العمال الكردستاني في جبال قنديل شمال العراق، لم تكن هذه السياسات وليدة الأحداث الأخيرة التي شهدتها المنطقة، ولكن كانت امتدادًا لسياسات عسكرية على مر سنوات ماضية تجاه الأكراد؛ ففي شهر فبراير/شباط 2008، قام الجيش التركي بتنفيذ عملية "شمس" البرية مع دعم جوي في شمال العراق، حيث شارك في العملية التي استمرت أسبوعًا واحدًا عشرة آلاف جندي تركي.

التخوفات التركية

تأتي التخوفات التركية من حالة القلق تجاه قيام الأكراد بتوحيد المناطق ذات الكثافات الكردية معًا، مما دفع النظام التركي إلى حالة من الارتباك في التعامل معهم داخليًا وخارجيًا، التي وضعتها لأول مرة في موقع دفاعي.

كما أن تركيا تتعامل مع الأكراد وحزبهم الأكثر شعبية، حزب العمال الكردستاني PKK، على أنه منظمة إرهابية بما تحمله الكلمة من معنى، مما أدى إلى استمرار المواجهات المسلحة بينهم على امتداد أكثر من 40 عامًا. وبرغم فترات توقف الحروب بينهم إلا أن هذا لم يدفع بهم إلى تحسن يذكر في العلاقات خاصة في ظل إنكار السلطات التركية للحقوق الكردية، مما أوجد مناخ ملبد بالتوترات، كما أن المطالب الكردية لا يمكن أن يتم التعامل معها في إطار الحل الأمني والعسكري بعدما فشلت تلك السياسة في تحقيق ما تصبو إليه في ظل حالة الاعتدال التي اتسم بها حزب العمال الكردستاني في الفترة الأخيرة.

على الصعيد السوري؛ استمرت تركيا في نهجها العسكري تجاه الأكراد، خاصة بعد نجاح قوات حماية الشعب الكردية بفرعه السوري (pyd)، في إقامة 3 مناطق حكم إداري في الحسكة وكوباني وعفرين وهي مناطق ذات أغلبية كردية في سوريا.

وعليه تحركت تركيا للتأثير في العديد من مجريات الأحداث في سوريا خاصة المناطق التي سيطر عليها الأكراد؛ حيث قامت باحتلال منطقة عفرين في سوريا بإعلانها عملية "غصن الزيتون"، في 20 يناير/ كانون الثاني 2018، ومن قبلها عملية "درع الفرات" في أغسطس/ آب 2016، وعليه فإن تركيا تحاول مواجهة الأكراد بكل السبل لمنع تحقيق هدفهم بإقامة دولة كردية.

كما انعكست المواجهات التركية الكردية على مسار العلاقات الأمريكية التركية بسبب تقديم الدعم العسكري الأمريكي للأكراد حليفهم الأهم في سوريا، وعلى الرغم من وعود الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" لنظيره التركي "أردوغان"، في الثاني والعشرون من ديسمبر/ كانون الأول 2017، بوقف إمداد وحدات حماية الشعب الكردية (القوات الكردية في سوريا) بالأسلحة الأمريكية، إلا أن تركيا لم تتوقف عن سياساتها تجاه الأكراد، خوفًا من توجيه السلاح الذي ترسله إلى "ب ي د/بي كا كا" ضدها مستقبلًا.

وعليه؛ تم توقيع اتفاق أمريكي– تركي ، بين وزير الخارجية الأمريكية "مايك بومبيو" ونظيره التركي "مولود شاويش أوغلو" في الرابع من يونيو/  حزيران 2018، حيث أحدثت المفاوضات تقدمًا ملحوظًا فيما يتعلق بملف الأكراد الحليف الأمريكي الأهم لها في الداخل السوري وخاصة مدينة منبج السورية.

ووفق الاتفاق بين وزيري الخارجية الأمريكي والتركي، أعلن وزير الخارجية التركي في الخامس من يونيو/ حزيران 2018، أن خطة العمل التي تم الاتفاق عليها مع الجانب الأمريكي تقضي بسحب الأسلحة من المقاتلين الأكراد في مدينة منبج.

تركيا واستمرار الاستهداف

بعد نجاح "أردوغان" وحزبه العدالة والتنمية في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في 24 يونيو/ حزيران 2018، بتحالفه مع حزب الحركة القومية بقيادة "دولت بهتشلي"، الذي يشترك مع نفس التوجهات التي يعتنقها حزب العدالة والتنمية تجاه الأكراد، هذا التوافق يعكس سيناريو مستقبلي حول استمرار التوجهات التركية بقيادة "أردوغان"، تجاه المكون الكردي سواء في الداخل التركي أو في الخارج خاصة سوريا والعراق.

إن استمرار أردوغان في السلطة بتحالفه مع القوميين يؤكد على استمرار السياسة العسكرية التي تبنتها تركيا منذ 40 عامًا تجاه الأكراد، بل أن ذلك يؤشر استمرار التدخلات العسكرية الخارجية، ومزيد من التصادم بينهم من جديد.

شارك