انتخابات التجديد النصفي ومستقبل العقوبات الأمريكية على طهران

الأربعاء 07/نوفمبر/2018 - 06:59 م
طباعة انتخابات التجديد
 
مصطفى صلاح

يحاول الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب"، الحفاظ على الأغلبية الجهمورية له في الانتخابات المتعلقة بالتجديد النصفي، ليتمكن من الاستمرار في تنفيذ سياساته بطريقة أكثر فاعلية واستمرارية، وتأتي أهمية هذه الانتخابات كونها بمثابة استفتاء على رئاسة دونالد ترامب ذاته، عوضًا عن أهميتها  فيما يتعلق كاستحقاق انتخابي في التاريخ الأمريكي.

الجدير بالذكر أنه في حال فوز الرئيس ترامب وحزبه في هذه الانتخابات وتحقيق هدفه، سيكون الرئيس الأول منذ عقود الذي يتمكن من الحفاظ على سيطرته على السلطتين التنفيذية والتشريعية في آن واحد، خلال مدته الرئاسية بالكامل، إلا أن أهداف ترامب وراء مسعاه الحالي تتجاوز التاريخ، حيث أنه يحاول مواصلة الطريق الذي اتخذه تجاه العديد من القضايا، سواء الدولية أو المتعلقة بالداخل الأمريكي، دون عوائق ربما يضعها أمامه خصومه الديمقراطيين حال فوزهم في الانتخابات المقبلة، وتأتي الانتخابات في منتصف فترة حكم ترامب، التي تستغرق أربع سنوات، وبعد حملات دعائية مثيرة للانقسام، فمن المتوقع أن تكون نسبة الإقبال في هذه الانتخابات مرتفعة لأهميتها من عمر الدولة الأمريكية، وتزداد أهميتها فيما يتعلق بالتحول في موازين القوى الداخلية كونها توفر للناخبين فرصة كبيرة، في الفترة ما بين الانتخابات الرئاسية، من أجل التأثير على أداء الرئيس حال عدم الرضا عن سياساته.(1)

الصراع الجمهوري الديموقراطي

تتشابك العديد من الملفات الخلافية بين الحزبين في الجانب المتعلق بالتوجهات المختلفة لكليهما تجاه الملفات الداخلية والخارجية، ويتضح ذلك من خلال حملات الدعاية التي يقوم فيها كل حزب بالتعبير عن نفسه وتوظيف القضايا لخدمة أهدافه، ولعل ملف العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران يأتي بالتزامن مع أهمية تلك الحدث، مما يؤثر بشكل كبير على سياسة الإدارة الأمريكية حيال الملف النووي الإيراني والعقوبات الاقتصادية المفروضة على طهران.

وعلى خلفية هذا الصراع الداخلي بين الحزبين تحاول إيران العمل وفق استراتيجيتين في مواجهة الاحتمالين المتعلقين بفوز الحزب الجمهوري وإحكام ترامب مزيدًا من السيطرة على الملفات الداخلية والخارجية، والثاني يتعلق بفوز الديموقراطيين، الذين ينتقدون سياسة ترامب الداخلية والخارجية بما في ذلك الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي المبرم بين دول (5+1).(2)

ويجري التنافس على 435 مقعدًا في مجلس النواب و35 من أصل 100 مقعد في مجلس الشيوخ. كما يجري انتخاب 36 من حكام الولايات، وفي حال احتفظ الجمهوريون بسيطرتهم على مجلسي النواب والشيوخ، فبإمكانهم الاستمرار في برنامجهم وبرنامح الرئيس ترامب، أما إذا سيطر الديمقراطيون على المجلسين أو واحد منهما فقد يستطيعون عكس اتجاه سياسة ترامب، لكن ثمة توقعات بأن يفشل الديمقراطيون في الحصول على مقعدين يحتاجونهما للسيطرة على مجلس الشيوخ.

المناورة الإيرانية

نجحت إيران كما هو واضح في إظهار ترامب وحيدًا، خصوصًا وهو يعاني من تداعيات التوترات الأمريكية مع العديد مع القوى الإقليمية والدولية، على خلفية السياسة الأمريكية التي شعارها "أمريكا أولًا، وتمثل الحزمة الجديدة من العقوبات بمثابة انتهاك للقانون الدولي، مثل سابقاتها، ولكنها قبل ذلك امتداد لسياسات الانعزال والغطرسة التي يعتمدها الرئيس الأمريكي منذ وصوله إلى البيت الأبيض. والتي تمتد آثارها تشمل العالم بأسره، ولكن من الصحيح أيضًا أنها لا تعفي الولايات المتحدة ذاتها من العواقب الوخيمة المتعلقة بتزايد أعداد الدول التي تتصادم مصالحها مع سياساتها.(3)

في العادة لا تحظى تلك الانتخابات باهتمام كبير، إلا أنها هذه المرة تأتي وسط صخب سياسي حاد إذ يرى مراقبون أن نتائج تلك الانتخابات ستحدد -إلى حد كبير- شكل المدة المتبقية من ولاية ترامب، وتراهن إيران على فكرة "عزل الرئيس ترامب"، إلا أن هذا الاحتمال ليس واردًا بنسبة كبيرة، وعلى الرغم من سياسات ترامب الخارجية التي عملت على زيادة أعدائه وخلافات بين حلفاءه خاصة الأوروبين، إلا إنه يتمتع بشعبية هائلة بشكل عام، ومن غير المحتمل أن يحدث ذلك، في ظل الإجراءات المعقدة المتعلقة بتلك الخطوة.

والإقالة في الواقع عملية من خطوتين، منصوص عليها في دستور الولايات المتحدة. أولًا، ينظر مجلس النواب في الاتهامات الموجهة للرئيس، وإذا صوتوا لصالح العزل (يتطلب الأمر مجرد أغلبية بسيطة)، فهذا يعني أن الرئيس قد اتهم رسميًا. ولإخراجه فعليًا من منصبه، يجب على مجلس الشيوخ التصويت على إدانته بهذه الاتهامات، التي تتطلب أغلبية الثلثين. ويمكن عزل الرؤساء دون أن يتم طردهم من البيت الأبيض، كما حدث لبيل كلينتون عام 1998.

كل هذا لن يكون ممكنًا إلا إذا سيطر الديمقراطيون على مجلسي الكونجرس، وهو أمر مستبعد. حتى لو فاز الديمقراطيون، فإن قادتهم غير متحمسين فيما يتعلق بالعزل. وقالت نانسي بيلوسي، زعيمة الديموقراطيين في مجلس النواب، إن إقالة ترامب "ليست أولوية"، وذلك بحسب ما نقلت "واشنطن بوست".، ولكن ما يمكن أن يفعله الديمقراطيون هو إطلاق تحقيقات أكثر جدية في سلوك ترامب بشأن العقوبات الأمريكية على إيران، أو  روسيا، أو معاملاته التجارية، أو أي مسألة أخرى يعتقدون أن الجمهوريين قللوا من شأنها.

وقد يؤدي ذلك إلى ظهور أدلة جديدة مدمرة، أو قد يسيطر ببساطة على الأخبار حيث يستعد ترامب لحملته لإعادة انتخابه. ولكن إذا كان مجلس النواب ديموقراطي ومجلس الشيوخ جمهوري ويتحدى كل منهما الآخر، فمن الصعب رؤية أي تشريع رئيسي يتم تمريره.

استراتيجة إيران

                تعمل إيران على انتهاج سياستين لمواجهة العقوبات الأمريكية المفروضة عليها، تتعلق السياسة الأولى بتحقيق مزيد من  التوافق الداخلي لتعزيز قدرة الحكومة الإيرانية على مواجهة تلك العقوبات، بجانب ذلك، تحاول حكومة الرئيس حسن روحاني اتخاذ إجراءات مسبقة لتعزيز قدرتها على مواجهة العقوبات، حيث سعت إلى استغلال العقوبات لتمرير مرشحيها لتولي الحقائب الوزارية الأربعة التي أطيح بالوزراء المسئولين عنها في الشهور الماضية نتيجة حجب الثقة عنهم من جانب مجلس الشورى، في محاولة لملء  الفراغ الناتج عن الإطاحة بأربعة وزراء من جانب مجلس الشورى الذي وجه انتقادات لاذعة لهم، بسبب فشلهم في التعامل مع الأزمات المعيشية المختلفة، على نحو ساهم، في رؤية أقطاب تيار المحافظين الأصوليين الذين قادوا عملية حجب الثقة عنهم، في ارتفاع مستويات البطالة والتضخم وانخفاض العملة الوطنية أمام الدولار.

وعلى الرغم من ذلك لا تؤشر هذه الخطوات على تحقيق تناغم داخلي في الحكومة والتيار المعتدل من جانب وتيار المحافظين، ورجال الدين والحرس الثوري من جانب آخر؛ حيث تبدو هذه الفترة مؤقتة بانتظار تبلور نتائج العقوبات الجديدة في الفترة القادمة، و تدعي الحكومة أن حسم ملف الحقائب الوزارية الشاغرة سوف يعزز من قدرتها على مواجهة التداعيات القوية للحزمة الثانية من العقوبات التي تركز على الصادرات النفطية في الأساس، خاصة أن هذه المقاعد تخص المجالات المرتبطة بالعقوبات مباشرة، على غرار الاقتصاد والصناعة والعمل.

وتحاول الحكومة تأكيد أن تمرير الوزراء الأربعة سوف يوجه رسائل إلى الخارج بأن الضغوط القوية التي تتعرض لها إيران ساهمت في تقليص حدة الخلافات الداخلية بين القوى والمؤسسات السياسية والأمنية النافذة، وهو ما يمكن أن يقلص من أهمية رهان بعض القوى الدولية على توسيع نطاق الانقسامات الداخلية التي يمكن أن تفرض مزيدًا من الضغوط على النظام الإيراني وتدفعه إلى إجراء تغيير في سياسته باتجاه القبول بالانخراط في مفاوضات جديدة للوصول إلى اتفاق أوسع من الاتفاق النووي الحالي.

أما السياسة الثانية فتتعلق بتنشيط السياسة الخارجية، وتوسيع دائرة علاقاتها الخارجية خاصة الحلفاء الأقرب للأمريكيين مثل دول الاتحاد الأوروبي وحلفاءها في المنطقة خاصة تركيا، وكذلك خصومها مثل الصين وروسيا.

فبعد توقيع العقوبات الأمريكية على طهران،  أعلنت الصين أنها ستستمر في استيراد النفط من إيران، حتى بعد تحرك الولايات المتحدة لخفض مبيعات النفط الإيراني إلى الصفر بحلول نوفمبر 2018. وقد يمهد التفاعل الصيني مع إيران الطريق أمام الآخرين كي يحذو حذوهما، الأمر الذي من شأنه أن يقوض حملة الضغط الأمريكية.

أوروبيًا؛ كما قامت الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي بالإجماع بإدخال لائحة المجلس رقم 2271، الصادر عام 1996، التي كان الهدف منها حماية الشركات من آثار تطبيق التشريع خارج حدود الدولة التي يعتمدها بلد ثالث. في الواقع، تعمل اللوائح التنظيمية على إجراء شيء غير عادي - فهي تحظر خضوع كيانات ومحاكم الاتحاد الأوروبي للامتثال لقوانين العقوبات الأجنبية الواردة في ملحقها وإنفاذها، مما يزيد من احتمال فرض عقوبات مالية على الشركات التي تتقيد به، وهذا ما يفرض على أوروبا أن تضيف مخالب إلى موقفها التفاوضي من أجل تخفيف الضرر الذي يلحق بالمصالح الأوروبية مع ضمان استمرار إيران في الالتزام بالاتفاق النووي. وهذا يعني وضع آليات قانونية يمكن أن تساعد في الحد من تأثير العقوبات الثانوية الأمريكية وتهدد بفرض تدابير مضادة تفرض تكلفة سياسية وقانونية واقتصادية على الولايات المتحدة.(4)

ختامًا: تسعى إيران إلى محاولة استغلال كافة إمكاناتها الداخلية والخارجية لمواجهة العقوبات الأمريكية المفروضة عليها، كما تستخدم الظرف الأمريكي الداخلي لمحاولة التعويل عليه حال فوز الديموقراطيين في انتخابات التجديد النصفي.

الهوامش:

1) لمحة عن العقوبات الأمريكية على إيران،  بتاريخ 5 نوفمبر 2018، على الرابط:

                                                                              http://www.bbc.com/arabic/middleeast-46098688

2) عقوبات إيران.. الحزمة "الأشد بالتاريخ" تدخل حيز التنفيذ، بتاريخ 5 نوفمبر 2018، على الرابط:

https://bit.ly/2qz1hBX

3) بدء سريان العقوبات الأمريكية على إيران، بتاريخ 5 نوفمبر 2018، على الرابط:

                https://arabic.cnn.com/middle-east/article/2018/11/05/iran-sanctions-usa.

4) مصطفى صلاح، هل ستقوض الصين وروسيا وأوروبا استراتيجية الولايات المتحدة تجاه إيران؟، المركز العربي للبحوث والدراسات، بتاريخ 5 أغسطس 2018، على الرابط:

http://www.acrseg.org/40858

شارك