تداعيات الانسحاب الأمريكي من سوريا ومستقبل العلاقات مع تركيا

الثلاثاء 25/ديسمبر/2018 - 12:14 م
طباعة تداعيات الانسحاب
 
مصطفى صلاح

توالت العديد من الأحداث المتسارعة في الفترة الأخيرة والتي كان لها الأثر الأكبر حول مستقبل العلاقات الأمريكية التركية؛ حيث أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، اعتزامه الانسحاب الكامل من سوريا في 20 ديسمبر 2018، بعد أن تحدث عن القضاء على تنظيم داعش، في حين أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية أنها أخطرت الكونجرس حول صفقة أمريكية جديدة لتركيا تقدر بــــــ 3.5 مليار دولار، تتضمن أنظمة باتريوت للدفاع الجوي والصاروخي، والتي جرت العديد من المفاوضات بشأن تلك الصفقة كبديل للنظام الدفاعي الروسي أس 400، بعد أن تجاهلت تركيا مرتين نظام باتريوت خلال عملية اختيار النظام الدفاعي، إذ اختارت في البداية نظاما صينيا ثم تحولت بعد ذلك إلى النظام الروسي في 2017.

الانسحاب الأمريكي والأكراد

                يمثل الأكراد الحليف الأوثق للولايات المتحدة في سوريا، الذي تدعمه بالسلاح والمعدات لتعزيز التواجد الأمريكي ميدانيًا؛ حيث قدمت الولايات المتحدة العديد من التوريدات والدعم العسكري للأكراد منذ أكتوبر 2014، حتى نوفمبر 2017، تشمل (سيارات مدرعة متعددة الأغراض Humwee، المدرعات الثقيلة  Cougar، قاذفات القنابل إم كي 19، المنظومات الصاروخية الثقيلة المضادة للدبابات BGM-71 TOW، المنظومات الصاروخية المضادة للدبابات FGM-148 Javelin، البنادق الآلية M4Carbine، البنادق الآلية إم16).

إلا أن الأكراد وأحزابهم والمنظمات في شمال سوريا عبرت عن مخاوفها إزاء قرار الولايات المتحدة سحب قواتها من سوريا في هذا التوقيت، وطالبتها هي والتحالف الدولي ضد "داعش" بحماية شرق الفرات، وتأتي هذه التخوفات بالتزامن مع إعلان أنقرة عزمها شن هجمات على معاقل الأكراد شرق الفرات، ومن شأن هذه الهجمات، أن تؤدي إلى مواجهات مع قوات الولايات المتحدة المتمركزة هناك، إلى أن أعلن ترامب انسحابه من سوريا تاركًا الأكراد يواجهون القوات التركية.

الجدير بالذكر أن دعم الولايات المتحدة لفصائل "وحدات حماية الشعب" الكردية المسلحة تسبب في تدهور العلاقات بين واشنطن وأنقرة، وعلى الرغم من وعود ترامب بوقف إمداد وحدات حماية الشعب الكردية بالأسلحة الأمريكية، إلا أن تركيا لم تتوقف عن سياساتها تجاه الأكراد.

ومن قبل تصاعدت التوترات بين الولايات المتحدة وتركيا بسبب الدعم العسكري الأمريكي لوحدات حماية الشعب الكردية السورية التي تعتبرها أنقرة امتدادًا لحزب العمال الكردستاني المحظور الذي يحمل السلاح منذ ثلاثة عقود في جنوب شرق تركيا، ورغم تحذيرات تركيا المتكررة للولايات المتحدة من إمكانية توجيه السلاح الذي ترسله إلى "ب ي د/بي كا كا" ضدها مستقبلًا، إلى أن تم توقيع اتفاق منبج في يونيو 2018 بين الولايات المتحدة وتركيا ليعيد التوازن للعلاقات الثنائية بين البلدين مرة أخرى.

ووفق الإعلان الأمريكي الأخير؛ فإن واشنطن بذلك تتخلى عن أهم حليف لها في الأراضي السورية ليس فقط على المستوى العسكري والميداني، بل أيضًا على المستوى السياسي؛ حيث تعمل كلا من روسيا مع تركيا وإيران في جنيف لتشكيل لجنة الدستور السورية، وتقديم مقترحات بشأن إجراء تعديلات في الدستور السوري.(1)

انقسام في واشنطن

عقب إعلان ترامب اعتزامه الانسحاب الكامل من سوريا، تزايدت الانقسامات الداخلية المتعلقة بسياسة ترامب الجديدة، وعلى الرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يعلن فيه ترامب ذلك، ففي 29 مارس 2018، أثارت التصريحات الأمريكية العديد من التساؤلات حول مستقبل الوجود الأمريكية في سوريا وما يترتب عليه حال غياب هذا الدور، في ظل وجود العديد من الفرضيات المتعلقة بأن انسحاب القوات الأمريكية من سوريا سيفسح مجالا واسعا لتركيا وروسيا وإيران لإعلان انتصارها على الولايات المتحدة.

إلا أنه في هذه الحالة شهدت الإدارة الأمريكية مزيدًا من الانقسامات والاختلافات حول ذلك؛ حيث انتقد القرار عضو مجلس الشيوخ الجمهوري ليندسي غراهام، وهو أحد أنصار ترامب وعضو لجنة الخدمات المسلحة، ووصفه بأنه "خطأ جم مثل أخطاء الرئيس السابق باراك أوباما"، وفي سلسلة تغريدات بموقع تويتر، قال غراهام إن تنظيم الدولة "لم يُهزم"، وحذر من أن سحب القوات الأمريكية يضع "المتحالفين معنا من الأكراد في خطر"، كما انتقد السيناتور الجمهوري بوب كوركر، رئيس لجنة العلاقات الخارجية، بمجلس الشيوخ قرار الانسحاب بوصفه "فظيع"، وقال كوركر إن الأعضاء الجمهوريين بمجلس الشيوخ صدموا ويشعرون بالحزن لأن ترامب سيجعل حلفاءه العرب والأكراد تحت رحمة الرئيس السوري بشار الأسد وتركيا، خاصة بعدما أعلنت تركيا أنها تستعد لشن عملية عسكرية ضد فصائل مسلحة كردية في شمال شرقي سوريا. الذين يمثلون حليفًا هامًا للولايات المتحدة في حربها ضد تنظيم الدولة، في ظل المطالب الكردية المتعلقة بالاستمرار في تقديم المساعدة للمنطقة لضمان الأمن والاستقرار نظرا إلى أن  الحرب على الإرهاب لم تنته بعد، وضرورة اتخاذ موقف واضح تجاه التهديدات وما يطمح إليه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ومنعه من تنفيذ مخططه وقيام الولايات المتحدة والتحالف الدولي بحماية شرق الفرات، في ظل التحذيرات  من خطورة العملية التركية التي "ستجلب الويلات للمنطقة وسيتضرر منها ليس فقط الأكراد بل عموم المكونات الأخرى من السريان والآشوريين والعرب والتركمان والإيزيديين".

وفي نفس السياق؛ قدم وزير الدفاع الأمريكي جيمس ماتيس باستقالته من منصبه، لينضم إلى سلسلة من المسؤولين الرفيعين الذين استقالوا في إدارة الرئيس الأمريكي ترامب، وجاءت هذه الخطوة بعد يوم واحد من إعلان ترامب عن سحب القوات الأمريكية من سوريا، وقد أشير إلى أن ماتيس يعارض مثل هذا القرار، وأعلن  الجنرال ماتيس بقوة في رسالة استقالته إلى وجود اختلافات في رسم السياسات مع الرئيس ترامب، وصرح زعيم الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ، ميتش ماكونيل، إنه "قد فجع" لسماع أن الاستقالة كانت جراء "اختلافات شديدة" بين الجنرال ماتيس والرئيس.

وجاء نصًا : "ولأنه من حقكم أن يكون لديكم وزير دفاع له رؤى أكثر اتساقًا مع رؤاكم في هذه الموضوعات وغيرها. أعتقد أن من الصائب لي أن اتنحى عن منصبي"، وعلى الرغم من أن ماتيس لم يشر بشكل مباشر إلى قرار سحب القوات من سوريا، إلا أنه سبق أن حذر من أن الانسحاب المبكر من سوريا سيكون "خطأ استراتيجيًا فادحًا".(2)

ردود الفعل الدولية

على الرغم من إبلاغ واشنطن لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة: إنها ملتزمة «بالتدمير الدائم» لتنظيم داعش في سوريا وإنها ستستخدم كل أدوات القوة للضغط من أجل انسحاب القوات التي تدعمها إيران من سوريا، إلا أن ذلك لم يمنع سلسة الانتقادات ادولية حول الموقف الأمريكي من الانسحاب من سوريا.

حيث أعلنت فرنسا، العضو الرئيسي في التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة: إنها ستحتفظ بقواتها في شمال سوريا في الوقت الحالي لأنه لم يتم القضاء بعد على تنظيم داعش، فيما أعلنت بريطانيا أيضًا أبدت اختلافها مع قرار ترامب، وقال الوزير بوزارة الدفاع البريطانية توبياس إلوود: إن داعش تحول إلى أشكالٍ أخرى من التطرف، و«التهديد لايزال قائمًا بقوة»، وأنها "لا تشير إلى نهاية التحالف الدولي أو حملته ضد تنظيم الدولة الإسلامية"، وأن المملكة المتحدة ستبقى "ملتزمة" بضمان "الهزيمة التامة" للتنظيم.

كما اعتبرت ألمانيا قرار الولايات المتحدة المفاجئ الانسحاب من سوريا «يدعو للدهشة ويهدد بالإضرار بالحرب ضد داعش»، وفي نفس السياق قال المبعوث الرئاسي الخاص للتحالف الدولي لهزيمة تنظيم الدولة، بريت مكجورك، للصحفيين في وزارة الخارجية الأمريكية "لا أحد يقول إن مقاتلي تنظيم الدولة سوف يختفون. لا أحد بهذه السذاجة. لذلك نريد البقاء على الأرض والتأكد من الحفاظ على الاستقرار في هذه المناطق".(3)

زيادة الحضور التركي

بالتزامن مع إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب انسحابه من سوريا، عملت تركيا على زيادة حضورها داخل سوريا؛ حيث أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بداية عملية جديدة في شرق الفرات لمواجهة الأكراد.

الجدير بالذكر أن تلك العملية ليست الأولى بل هي امتداد للعديد من العمليات العسكرية التركية داخل الأراضي السورية، من قبل قامت باحتلال منطقة عفرين في سوريا بإعلانها عملية "غصن الزيتون"، في 20 يناير 2018، ومن قبلها عملية "درع الفرات" في أغسطس 2016.

وتقاتل تركيا المكون الكردي ليس فقط في خارج حدودها ولكن في الداخل أيضًا، ومن قبل أعلنت تركيا الأحزاب المرتبطة بالمكون الكردي مثل حزب العمال الكردستاني التركي والمنظمات المنبثقة عنه مثل حزب الاتحاد الديموقراطي في سوريا منظمات إرهابية، وعلى هذا الأساس ترى تركيا بأن الأكراد وأحزابهم بمثابة تهديد للأمن القومي التركي، كما أن تركيا تتعامل مع الأكراد وحزبهم الأكثر شعبية، حزب العمال الكردستانيPKK، على أنه منظمة إرهابية بما تحمله الكلمة من معنى، مما أدى إلى استمرار المواجهات المسلحة بينهم على امتداد أكثر من 40 عامًا، ولأكثر من ثلاثة عقود ظلت تركيا والأكراد في حروب متبادلة.(4)

كما طالبت الحكومة التركية الولايات المتحدة باتخاذ خطوات ملموسة فيما يتعلق بتسليم الداعية فتح الله جولن وأعضاء آخرين في حركة الخدمة التي تتهمها أنقرة بالوقوف وراء محاولة انقلاب فاشلة في 2016، وأعلن الرئيس التركي أردوغان في 21 ديسمبر 2018 بأن بلاده ستتولى المعركة ضد تنظيم "الدولة الإسلامية" في سوريا مع سحب الولايات المتحدة قواتها من هناك.

ولا شك أن الانسحاب الأمريكي من سوريا سيلقي بظلاله على مستقبل الأكراد في سوريا خاصة وأن واشنطن هي الداعم الرئيسي لهذا المكون، بل وسيسمح لأنقرة بتمرير سياساتها الخارجية، وتشير العديد من الآراء إلى أن هذه الخطوة الأمريكية جاءت وفق تفاهمات أمريكية تركية بعد افراج الأخيرة عن القس الأمريكي المحتجز في تركيا "أندرو برونسون" في أكتوبر 2018، ولعل ما تلى ذلك من تفاهمات حول رفع العقوبات الاقتصادية عن تركيا يؤكد على تلك الشواهد.

الهوامش:

1) مصطفى صلاح، اتفاق منبج ومستقبل العلاقات التركية الأمريكية، على الرابط:

                                                                                                                                            http://www.acrseg.org/40775

2) الحرب في سوريا: سحب القوات الأمريكية يثير انتقادات داخل الولايات المتحدة وخارجها، على الرابط:

http://www.bbc.com/arabic/world-46629321  

3) شيماء حفظي، بعد الانسحاب الأمريكي من سوريا.. أوروبا تدين ترامب خوفًا من عودة «داعش»، على الرابط:                                                                                                                             http://www.almarjie-paris.com/5796

4) مصطفى صلاح، عسكرة السياسة التركية: استراتيجيات العمل وحدود التوظيف، على الرابط:

                                                                                                                                            http://www.acrseg.org/40705

شارك