شراكة استراتيجية.. دلالات التوجه الفرنسي نحو القاهرة

الإثنين 28/يناير/2019 - 02:25 م
طباعة شراكة استراتيجية..
 
آية عبد العزيز

تعد زيارة الرئيس الفرنسي "إيمانويل ماكرون" إلى القاهرة الأولى منذ توليه السلطة في مايو/ أيار2017، التي ستستمر يومين ونصف اليوم من الأحد الموافق 27 يناير/ كانون الثاني 2019 وحتى منتصف يوم الثلاثاء الموافق 29 يناير/ كانون الثاني 2019.

 يرافق الرئيس الفرنسي وفدًا مكونًا من خمسة وزراء في الحكومة، وعشرين من ممثلي المجالات الأكاديمية والثقافية والعلمية، وعشرات من قادة الأعمال. (1) يبدأ برنامج بالزيارة بالتوجه إلى صعيد مصر حيث زار معبد أبو سمبل، ثم توجه بعدها إلى القاهرة للقاء المثقفين، والفنانين المصريين، وذلك قبل لقاء الرئيس المصري "عبد الفتاح السيسي"، ما سيعقبه من توقيع عدد من الاتفاقيات على الصعيد الاقتصادي والثقافي، فضلًا عن عقد الرئيسان مؤتمرًا صحافيًا مشتركًا.

وفي هذا الإطار تستضيف القاهرة منتدى اقتصادي يضم رجال أعمال من البلدين، ومن المتوقع أن يتم إبرام عدد من الاتفاقات في مجالات كثيرة مثل الطاقة المتجددة، والنقل، والثقافة. هذا بجانب لقاء الرئيس الفرنسي البابا تواضروس بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، والإمام الأكبر "أحمد الطيب" شيخ الجامع الأزهر. (2)

الأهمية الاستراتيجية للزيارة

تكمن الأهمية الاستراتيجية للزيارة في كونها تتزامن مع تولي القاهرة رئاسة الاتحاد الأفريقي في فبراير/شباط 2019، وتولي فرنسا رئاسة مجموعة الدول السبع الأكثر تصنيعًا هذا العام.  وتأتي الزيارة في سياق التوجه الفرنسي إلى منطقة الشرق الأوسط ودول شمال أفريقيا؛ حيث تهمين عليها عددًا من الملفات المثارة تعد أبرزها على النحو التالي:

1.      ملف الهجرة غير النظامية؛ تعاني باريس من عددًا من التحديات الداخلية على غرار تنامي تدفقات الهجرة غير النظامية، لذا تسعى باريس إلى بحث سبل تسوية هذا الملف مع القيادية المصرية التي استطاعت العمل للحد من الظاهرة بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي.

2.       مكافحة الإرهاب؛ واجهت باريس منذ أحداث 2011 إلى موجات من العمليات الإرهابية المتتالية كانت أبرزها تفجيرات نوفمبر 2015 التي على أثرها أعلنت فرنسا تدخلها بشكل مباشر في سوريا، والتنسيق العسكري مع روسيا لشن العمليات عسكرية على معاقل تنظيم "داعش" داخل الأراضي السورية.  

3.      الأوضاع الأمنية في ليبيا؛ ترغب باريس في مناقشة الوضاع الأمنية في ليبيا لما لها من تداعيات سلبية على الدول المجاور، فضلاً عن كونها معبر لموجات الهجرة غير النظامية منذ سقوط النظام السياسي لمعمر القذافي في 2011، وما تبعه من انقسامات حادة داخل المجتمع القبلي الذي ساهم في حالة الفوضى نتيجة عدم توافقهم حول العملية السياسية وسبل تسوية الأزمة. وعليه تسعى فرنسا إلى دعم الحوار السياسي وجهود الوساطة الدولية بالتعاون مع القوى الإقليمية الكبرى في المنطقة وتأتي في مقدمتهم مصر والإمارات. (3)

4.        الأوضاع السياسية في سوريا؛ ساهم تحول خريطة التوازنات الداخلية في الصراع السوري إلى قلق فرنسا على مستقبل الأوضاع السورية ومستقبل الأوضاع في مرحلة إعادة الإعمار، ومدى جديدة القوى الدولية والإقليمية في محاربة التنظيمات الإرهابية مثل "داعش". بالتزامن مع إعلان الرئيس الأميركي الانسحاب من سوريا على خلفية إنجاز القوات الأميركية المهام المنوطة بها، كما أعرب من تدخل القوات التركية لاستكمال باقي المهام. بجانب إعلان روسيا إمكانية تنفيذ اتفاق أضنة مع تركيا بدلًا من الاتفاق إقامة منطقة آمنة في شمال سوريا مع أميركا. وعليه أصبح التوجه الفرنسي نحو سوريا مرتكزًا على دعم القوات الكردية، والتعاون مع القوى الإقليمية مثل مصر التي استطاعت إقامة حوار مع بعض قوى المعارضة السورية، كما إنها تمتلك علاقات ودية مع الدولة السورية لإعادة الاستقرار من خلال التسوية السلمية السياسية. (4)

5.      مناقشة القضية الفلسطينية؛ تسعى فرنسا إلى مناقشة الجدل المثار حول القضية الفلسطينية مع القاهرة، التي تتمتع بدور كبير في هذه القضية فقد لعبت مصر دور الوسيط في حل هذه القضية، ودعم المصالحة بين حركة فتح وحماس.

6.      توثيق العلاقات الدفاعية والعسكرية؛ تحاول القيادة الفرنسية توثيق التعاون العسكري والدفاعي مع القاهرة الشريك الاستراتيجي والعسكري في المنطقة العربية، كما تود باريس في زيادة التعاون وإبرام الصفقات العسكرية، التي برزت في السابق في شراء القاهرة 24 طائرة من طراز "رافال"، وطوافات، وسفن حربية وأنظمة أسلحة متنوعة. (5)

دلالات التحرك الفرنسي تجاه القاهرة

                تنظر القيادة السياسية الفرنسية إلى دول المنطقة العربية باعتبارهم تحديًا لها، نتيجة تراجع الدور الفرنسي في الآونة الأخيرة باستثناء دول المغرب العربي، مقارنة بتنامي الدور الروسي عبر البوابة السورية، وإعادة الإدارة الأميركية استراتيجيتها تجاه دول المنطقة خاصة بتولي الرئيس الأميركي "دونالد ترامب"، وانتهاجه سياسة أميركا أولًا معتمد على سياسة الصفقات في إدارة علاقاته الدولية.

لذا فقد حاولت القيادة الفرنسية التوجه نحو قضايا المنطقة، وأزماتها باستخدامها آليات القوة الناعمة المرتكزة على تبني سياسة الوساطة الدولية التي تجسدت في إدارة الملف الليبي، ما بين المشير "خلفية حفتر" وقائد الجيش الوطني والذي يمتلك الشرعية العسكرية والقدرة على المواجهة التنظيمات الإرهابية، "فائز السراج" رئيس الوزراء الليبي -الذي يمتلك الشرعية السياسية التي تدعمه في إعادة هيكلة مؤسسات الدولة لإتمام المصالحة الوطنية، عبر الحل السياسي السلمي للأزمة الليبية.

كما ساهم "ماكرون" في دعم جهود الوساطة في الملف اللبناني لإقناع "سعد الحريري" رئيس الوزراء اللبناني للتراجع عن استقالته التي أعلن عنها في نوفمبر/تشرين الثاني 2017 بشكل مفاجئ من المملكة العربية السعودية، فضلاً عن محاولته التوسط لحل الأزمة الخليجية، ودعمه للوساطة الكويتية بين الجانبين. (6)

وعليه يستند "ماكرون" في تحركاته تجاه القاهرة على مجموعة من الركائز المهمة التي تتجلى في استعادة مكانة فرنسا في المنطقة عبر التعاون والتنسيق مع حليفتها الاستراتيجية مصر، التي تتقارب معها في وجهات النظر بشأن عدد من الأزمات الإقليمية وإمكانية حلها عبر آلية الحل السياسي السلمي.

لذا تسعى باريس للحفاظ على استقرار الدولة المصرية الحليف الاستراتيجي والأساسي في المنطقة العربية، خاصة مع انهيار بعض الأنظمة منذ أحداث 2011، مع إقامة علاقات اقتصادية وعسكرية قوية ترتكز على إبرام شراكات واتفاقيات بين الجانبين لإعادة التمركز والانتشار داخل المنطقة.

 ويرجع ذلك لكون القاهرة أساس استراتيجي مهم في إعادة تشكيل توازنات قوى داخل النظام الإقليمي العربي الذي يواجه تهديدات وتحديات على كافة الأصعدة. (7) كما تعتبر مصر شريكًا استراتيجيًا لباريس في منطقة الشرق الأوسط منذ سنوات، كما تستند القيادة الفرنسية على الثقل الجيوسياسي للقاهرة، ودورها داخل المنظمات الدولية والإقليمية وعلاقاتها الوثيقة المعتدلة مع القوى الفاعلة في المنطقة كالسعودية والإمارات وسوريا وروسيا. والأهم من ذلك، أن القاهرة هي من أهم المستوردين للأسلحة الفرنسية؛ حيث تشتري السفن الحربية والطائرات المقاتلة، مع المزيد من المبيعات المحتملة في طور الإعداد. (8)

ختامًا؛ يواجه ماكرون عددًا من التحديات الداخلية التي تتجسد في تزايد احتجاجات حركة "السترات الصفراء"، ورغبتها في الضغط على الحكومة الفرنسية لتغير سياساتها الإصلاحية التي انعكست عليهم بشكل سلبي، على الصعيد الاجتماعي والاقتصادي.

لذا يسعى ماكرون لتخفيف حدة الضغوط الداخلية من خلال حماية أمن فرنسا القومي الذي يعد جزء من الأمن الأوروبي، من خلال توثيق التعاون الخارجي مع القوى الدولية والإقليمية مثل القاهرة، لبحث سبل التسوية السياسية للعديد من القضايا التي أثرت على المجتمع الفرنسي مثل تنامي موجات الهجرة غير النظامية، ومحاولة دمجهم داخل النسيج الفرنسي، علاوة على الرغبة في الحد من تنامي ظاهرة الإرهاب العابر للحدود الذي تعاني منه باريس في الآونة الأخيرة.

إجمالًا؛ يدرك الرئيس الفرنسي "إيمانويل ماكرون" مدى استقلال القرار السياسي المصري، وقدرة الدولة المصرية وقدرتها في التصدي للتحديات والتهديدات التي تواجهها باريس، باعتبارها شريك دبلوماسي واستراتيجي في إدارة هذه الملفات.

الهوامش:

1.             French president heads to Egypt on mission to reinforce ties, ARAB NEWS, 27/1/2019. http://www.arabnews.com/node/1442676/middle-east

2.         ميشال أبو نجم، "ماكرون في زيارة لمصر تغلب عليها الملفات السياسية"، الشرق الأوسط، رقم العدد 14669، 260/1/2019. http://cutt.us/bTBco

3.       حسين عمارة، " الرئيس الفرنسي إلى القاهرة في زيارة رسمية وملفات مهمة مطروحة للمباحثات مع السيسي"، فرانس 24، 27/1/2019. http://cutt.us/epjmJ

4.       آية عبد العزيز، "مسارات متراجعة – مستقبل الصراع السوري في ضوء التفاهمات الدولية"، المركز الديمقراطي العربي للدراسات الاستراتيجية والاقتصادية والسياسية، 26/1/2019. https://democraticac.de/?p=58695

5.         أنظر ميشال أبو نجم مرجع سابق ذكره.

6.         آية عبد العزيز، " سيد الإليزيه بعد مرور عام: بين استعادة المكانة والتحرك البراجماتي"، المركز العربي للبحوث والدراسات، 13 مايو 2018. http://www.acrseg.org/40738

7.       آية عبد العزيز، "استعادة المكانة.. تنامي النفوذ الفرنسي في المنطقة العربية"، مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية، 17/12/2017. http://cutt.us/dqiCx

Lisa Bryant,” France’s Macron Heads to Egypt Amid Defense, Rights Concerns”, VOA NEWS, 26/1/2019. https://www.voanews.com/a/france-macron-heads-to-egypt-amid-defense-rights-concerns/4759912.html

شارك