المركز العربي
للبحوث والدراسات
رئيس مجلس الادارة
عبد الرحيم علي

المدير التنفيذي 
هاني سليمان

الأسباب والتداعيات .. قراءة في استقالة تريزا ماي

الأربعاء 29/مايو/2019 - 06:50 م
المركز العربي للبحوث والدراسات
مصطفى صلاح

أعلنت رئيسة الوزراء البريطانية، تيريزا ماي، عزمها التخلي عن زعامة حزب المحافظين يوم 7 يونيو 2019، وسط حالة الغضب التي تنتاب حزب المحافظين إزاء خطة الخروج من الاتحاد الأوروبي والمعروفة بـ"بريكسيت"، والتي تصر عليها ماي، وتابعت بأنه "أصبح من الواضح لي الآن أن مصلحة البلاد تقتضي وجود رئيس وزراء جديد ليقود هذه الجهود. لذا أعلن اليوم أنني سأستقيل من زعامة حزب المحافظين".

الجدير بالذكر أن ماي تعرضت لضغوط كبيرة دفعتها إلى الاستقالة بعد فشلها في إقناع نواب حزبها بخطة الخروج من الاتحاد الأوروبي التي عرضتها على مجلس العموم، فقد رفض البرلمان الاتفاق، الذي تفاوضت عليه ماي مع الاتحاد الأوروبي، ثلاث مرات، كما فشلت أيضًا محاولات ماي التوصل إلى توافق مع حزب العمال بشأن خطة الخروج من الاتحاد الأوروبي، ولكن التعديلات الأخيرة التي تضمنتها الخطة من بينها تدابير خاصة بخصوص الاتحاد الجمركي، ومنح النواب فرصة للتصويت بشأن إمكانية إعادة الاستفتاء على الخروج من الاتحاد الأوروبي، أغضبت الكثير من النواب المحافظين.(1)

أسباب الاستقالة

تلقت حكومة رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي المستقيلة نكسة شديدة بفعل استقالة أربعة وزراء احتجاجًا على مشروع الاتفاق على الانسحاب من الاتحاد الأوروبي، وكان وزير الدولة البريطاني المكلف بشؤون إيرلندا الشمالية شايليش فارا أول من أعلنوا استقالتهم، وقال إن الاتفاق لا يجعل من المملكة المتحدة "دولة مستقلة ذات سيادة"، وتوالت الاستقالات حيث أعلنت الوزيرة أندريا ليدسوم استقالتها من الحكومة، قائلة إنها لم تعد تعتقد أن خطة الحكومة قادرة على تنفيذ "نتيجة الاستفتاء". وأعلن الوزير المكلف بالخروج من الاتحاد الأوروبي دومينيك راب استقالته أيضًا، وجاء في نص رسالة الاستقالة الذي نشره على حسابه في تويتر: "لا يمكنني التوفيق بين شروط الاتفاق والوعود التي قطعناها للبلاد في بيان حزبنا.. لا بد أن أستقيل".

وكذلك وزيرة العمل والمعاشات إيستر ماكفي، أما وزيرة الدولة لشؤون بريكست سويلا بريفرمان فقالت في بيان استقالتها من الحكومة البريطانية إن "التنازلات" المقدمة لبروكسل في مسودة الاتفاق "لا تحترم إرادة الشعب".

بجانب ذلك ستمثل مشاركة المملكة المتحدة في انتخابات البرلمان الأوروبي هزيمة جديدة لمفاوضات الخروج من الاتحاد الأوروبي، ليس هذا فحسب بل هزيمة لمشروع الاندماجي الأوروبي، كما ستُساهم في مزيد من الانقسام الداخلي؛ حيث يرى المؤيدون أن المشاركة ستُعد أملًا في استمرار المملكة داخل الاتحاد، وستعمل على كسر حالة الجمود السياسي.

في المقابل يعتقد العديد من المُعارضين أن عملية المشاركة ستُمثل استنزافًا للحكومة ومواردها خاصة أن قرار الخروج لم يحسم بعد، وهو ما سينعكس بشكل سلبي على الأوضاع الداخلية والخارجية على كافة الأصعدة. وهنا من المتوقع أن يكون التصويت في انتخابات البرلمان الأوروبي تصويتًا عقابيًا للسياسات الحكومة البريطانية، لعجزها عن حسم القرار النهائي بشأن الخروج من الاتحاد الأوروبي بعد 3 أعوام من الاستفتاء.(2)

ردود الفعل الأوروبية

أثار قرار رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي الاستقالة ردود فعل في أوروبا وخارجها، وتباينت ردود الأفعال تجاهها، وأعلنت المفوضية الأوروبية بأن استقالة رئيسة الوزراء البريطانية لن يؤثر على موقف الدول الأعضاء بشأن الاتفاق المبرم حول خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

وقالت المفوضية الأوروبية الجمعة إن استقالة رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي "لا تغير شيئا" في موقف الدول الـ27 الأعضاء بشأن الاتفاق المبرم حول خروج بريطانيا من الاتحاد، وقالت المتحدثة باسم رئيس المفوضية الأوروبية مينا أندريفا "سنحترم رئيس الوزراء الجديد لكن ذلك لا يغير شيئًا في الموقف الذي اعتمده المجلس الأوروبي حول اتفاق خروج" بريطانيا من الاتحاد، وأكدت أندريفا أن رئيس المفوضية جان كلود يونكر جاهز لنسج علاقات عمل مع رئيس الوزراء الجديد، أيا يكن، بدون أن يوقف محادثاته مع تيريزا ماي".

وفي نفس الإطار أعلنت الرئاسة الفرنسية دعوتها إلى "توضيح سريع" لملف بريكسيت، واعتبر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن هذا القرار "ينبغي أيضا أن يذكر، في لحظة خيار مهمة، بأن التصويت بالرفض من دون مشروع بديل يؤدي إلى مأزق"، في إشارة إلى الانتخابات الأوروبية وإلى ملف بريكسيت.

على الجانب الألماني، أعلنت الحكومة الفيدرالية أنها ستواصل بذل كل الجهود من أجل علاقة شراكة جيدة مع بريطانيا، وخروج منظم من الاتحاد الأوروبي وتجنّب بريكسيت بدون اتفاق. وكانت المستشارة أعلنت في وقت سابق أنّها "تحترم" قرار نظيرتها البريطانية.

وبرغم ذلك حذّر رئيس الوزراء الهولندي مارك روتي من أنّ الاتّحاد الأوروبي لن يقبل بإعادة التفاوض على اتّفاق بريكسيت مع خليفة تيريزا ماي. وبعيد ساعات على إعلان ماي استقالتها قال روتي إنّ "اتفاق الانسحاب ليس قابلاً لإعادة التفاوض عليه". وحذّرت الحكومة الإسبانية من أنّ خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بدون اتفاق بات الآن أمرًا لا يمكن تجنبه بعد استقالة ماي. وقالت الناطقة باسم الحكومة الإسبانية إيزابيل سيلا للصحافيين إنه "في ظل هذه الظروف، يبدو حدوث بريكسيت بدون اتفاق واقعًا منعه شبه مستحيل".(3)

السيناريوهات المستقبلية

تشهد المملكة المتحدة حالة من الضبابية فيما يتعلق بمن يخلف رئيسة الوزراء المستقيلة ماي أو فيما يتعلق بمستقبل العلاقة مع الاتحاد الأوروبي، ويستعد المرشحون لخلافة رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي، التي اعلنت استقالتها، لإطلاق حملاتهم، ما يثير مزيدًا من الغموض حول ملف خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي.

وتشير العديد من الدلالات إلى أن وزير الخارجية السابق بوريس جونسون هو الأكثر حظًا، يليه الوزير السابق لـ "بريكزيت" دومينيك راب. وكلاهما لا يعارض احتمال خروج بريطانيا من الاتحاد من دون اتفاق، لا سيّما ان بروكسيل ترفض تعديل اتفاق توصّلت اليه مع ماي، ورفضه مجلس العموم (البرلمان) البريطاني 3 مرات، ومن المرشحين المحتملين ايضاً وزيرا الخارجية جيريمي هانت والبيئة مايكل غوف، اضافة الى الرئيسة السابقة للبرلمان أندريا ليدسوم ووزراء التنمية الدولية روري ستيورات والدفاع بيني موردونت والداخلية ساجد جاويد. وأعلن جونسون وستيوارت ووزيرة المتقاعدين أستير ماكفي نيتهم الترشّح للمنصب.(4)

على المستوى الخارجي وفي سياق المشاركة البريطانية في الانتخابات الأوروبية إلى حين التوصل من جديد إلى اتفاق يسمح بتنفيذ البريكست، خاصة بعدما تم السماح لبريطانيا قانونيًا بمد فترة التفاوض حتى 31 أكتوبر، ومن ثم الانسحاب من الاتحاد الأوروبي، سيكون الأمر من شأنه تغيير قواعد التعاون والتنسيق بين بريطانيا ودول الاتحاد الأوروبي، بالإضافة لذلك فإن خروج بريطانيا سيمثل تحولًا جذريًا سيؤدي إلى العديد من الانقسامات وغياب عمليات الادماج التي من أجلها تعاونت الدول العربية للحفاظ على استمراريتها خاصة قضية أيرلندا الشمالية، تجنبًا للسياسات الشعبوية، التي تستند على رفض التعددية الثقافية، وتنامي النزعات الانفصالية، والعداء للقيم الدينية الأخرى، بجانب أن حقوق مواطني الاتحاد الأوروبي الذين يعيشون في المملكة المتحدة والبريطانيين في القارة لم تعد محمية على المستوى المطلوب.(6)

الهوامش

1)      تيريزا ماي، رئيسة وزراء بريطانيا، تقرر الاستقالة من منصبها، على الرابط:

http://www.bbc.com/arabic/world-48395381

2)      آيه عبدالعزيز، انتخابات البرلمان الأوروبي ما بين الترقب الحذر ومُعضلة "البريكست"، على الرابط:

http://www.acrseg.org/41208

3)      استقالة تيريزا ماي: الاتحاد الأوروبي يؤكد أنها لن تغير شيئا وماكرون يعتبره عملا شجاعا، على الرابط:

http://cutt.us/CyAJP

4)      جونسون وراب يتصدّران طابوراً من المرشحين لخلافة ماي، على الرابط:

http://cutt.us/hdJC5

5) آيه عبدالعزيز، مرجع سبق ذكره.

إرسل لصديق

ما توقعك لمستقبل الاتفاق النووي الإيراني؟

ما توقعك لمستقبل الاتفاق النووي الإيراني؟