المركز العربي
للبحوث والدراسات
رئيس مجلس الادارة
عبد الرحيم علي

المدير التنفيذي 
هاني سليمان
ads
عمرو خليل
عمرو خليل

تخفيض التصنيف الائتماني لتركيا... حصار من كل الجهات

الأحد 21/يوليه/2019 - 07:56 م
المركز العربي للبحوث والدراسات

تشهد الساحة التركية في الآونة الأخيرة العديد من الأزمات السياسية والاقتصادية، ولا تكاد تنتهي أزمة، حتى تلوح في الآفاق بوادر أزمة جديدة، فقد أقبلت الذكرى الثالثة لمحاولة الانقلاب الفاشلة على الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وحزبه، وهي تحمل معها مزيدًا من الضغوط الاقتصادية على الشعب التركي، حيث أعلنت وكالة "فيتش" للتصنيفات الائتمانية في بيان لها أصدرته الجمعة 12 يوليو، تخفيضها لتصنيف الديون السيادية لتركيا من مستوى "BB" إلى "BB-" مع نظرة مستقبلية سلبية. وقد بررت الوكالة هذا التخفيض بتراجع استقلالية المؤسسات الاقتصادية التركية وكذلك تراجع المصداقية وتماسك السياسات الاقتصادية في البلاد.

ونظرًا لأن الاقتصاد التركي يعاني من الأزمات منذ فترة طويلة، فلم يكن هذا التخفيض مفاجئًا للمتابعين للشأن التركي، حيث يعد هذا التخفيض هو الثاني من نوعه من قبل وكالة "فيتش"،؛ إذ قامت الوكالة في نفس الوقت تقريبًا من عام 2018، بتخفيض تصنيفها الائتماني لتركيا من (+BB) إلى (BB)، مع نظرة مستقبلية سلبية، وجاء ذلك بعد الانتخابات الرئاسية التي فاز بها الرئيس أردوغان في يونيو 2018، حيث بررت الوكالة تخفيض التصنيف بتراجع مصداقية السياسة الاقتصادية لتركيا، وزيادة العجز في الحساب الجاري، وكذلك الإجراءات الغير مناسبة بعد فوز أردوغان مثل تعيين صهره براءت ألبيرق في منصب وزير المالية (1).

أسباب التخفيض

وفقًا للبيان الصادر عن الوكالة، فقد ذكرت أن هناك ثلاثة أسباب رئيسية دفعتها إلى اتخاذ قرار التخفيض، يعود السبب الأول إلى إقالة الرئيس التركي لمحافظ البنك المركزي مراد جتينقايا في السادس من يوليو وتعيين نائبه مراد أويسال، مما آثار مخاوف الوكالة بشأن استقلالية المؤسسات الاقتصادية في تركيا، ومدى تأثير ذلك على تقويض تدفق رؤوس الأموال الأجنبية اللازمة لتلبية حاجات التمويل الخارجي الكبيرة لتركيا، هذا فضلًا عن أن مثل هذا القرار يثير الشكوك بشأن مدى جدية تركيا في إدخال إصلاحات هيكلية في إدارة الاقتصاد الوطني (2).

هذا وقد صرح أردوغان بأنه أقال محافظ البنك المركزي مراد جتينقايا، نظرًا لفشل الأخير في تنفيذ التعليمات بشأن تخفيض أسعار الفائدة، وأن البنك لم يقم بدوره الصحيح في استقرار الأوضاع الاقتصادية في البلاد (3).

أما السبب الثاني فيعود إلى السلوكيات غير الديمقراطية من قبل حزب الحرية والعدالة، والتي كان آخرها عدم القبول بالهزيمة من قبل المعارضة في انتخابات بلدية إسطنبول التي أقيمت في مارس الماضي، مما دفع الحزب إلى التشكيك في نتائج الانتخابات، ومن ثم إعادتها مرة أخرى في يونيو، ومع ذلك فازت المعارضة مرة أخرى بالانتخابات بـ775000 صوت، بزيادة كبيرة عما حققه في المرة الماضية، التي فازت فيها بـ13000 صوت أكثر من مرشح حزب العدالة والتنمية، ليعلن أردوغان وحزبه القبول بنتائج الانتخابات على مضض (4).

ويتعلق السبب الثالث لهذا التخفيض وفقًا لبيان الوكالة، إلى توقع قيام الولايات المتحدة بفرض عقوبات على تركيا جراء إبرام الاخيرة صفقة الصواريخ الدفاعية "إس-400" الروسية، ومن الصحيح أن الوكالة أعلنت أن هذه العقوبات المهمة نسبيًا سيكون لها تأثير ضئيل في الاقتصاد، لكن تأثيرها في المعنويات (الجهات الاقتصادية الفاعلة) يمكن أن يكون كبيرًا، لاسيما مع إصرار القيادة السياسية التركية على إتمام الصفقة رغم الغضب الأمريكي، ومؤخرًا قامت تركيا بتسلم أجزاء من النظام الصاروخي من روسيا، وبالتالي من المتوقع أن أي تصعيد بين واشنطن وأنقرة سوف يضعف الليرة التركية بصورة كبيرة أمام الدولار الأمريكي (5).

سعر الفائدة والتضخم

كان البنك المركزي التركي قد قام برفع سعر الفائدة بمقدار 625 نقطة أساسية في سبتمبر 2018 في أعقاب التدهور الكبير الذي أصاب الليرة التركية، جراء التوترات السياسية والدبلوماسية بين أنقرة وواشنطن إثر اعتقال القس الأميركي أندرو برانسون (6). ووفقًا للشكل التالي فقد ارتفع سعر الفائدة بصورة كبيرة من (7.25%) عام 2017 إلى (22.5%) عام 2018، ليصل حتى الوقت الحالي إلى 24%، مما يعني أن سعر الفائدة ارتفع بمقدار (231%) تقريبًا خلال ثلاثة أعوام.

تخفيض التصنيف الائتماني

وبعد أن تم إقالة محافظ البنك المركزي من قبل الرئيس أردوغان، فمن المتوقع من قبل المحافظ الجديد أن يقوم – إرضاءً لأردوغان – بتخفيض سعر الفائدة في الاجتماع القادم للبنك في الخامس والعشرين من يوليو الحالي بمقدار 200 نقطة أساسية على الأقل (أي 2%).

وقد بلغ التضخم في أكتوبر 2018 ما يقارب (25.24%) جراء أزمة العملة والتوتر الدبلوماسي بين واشنطن وأنقرة، لكنه تراجع تدريجيًا حتى بلغ في الشهر الحالي (يوليو)، ما يقارب (15.72%)، ويشير الشكل (2) إلى الارتفاع الملحوظ في معدلات التضخم خلال الفترة من 2016 إلى 2019، حيث ارتفعت معدلات التضخم من (7.78%) عام 2016 إلى (15.72%) في الشهر السادس من 2019، الأمر الذي يعني أن معدل التضخم ارتفع نسبيًا بمقدار (132%) خلال أربع سنوات. وهناك مخاوف حالية من إمكانية عودة ارتفاع التضخم مرة أخرى نظرًا لانخفاض الليرة التركية أمام الدولار الأمريكي، بعد عزل محافظ البنك المركزي من قبل أردوغان؛ حيث هبطت الليرة 20 قرشًا، وسجل الدولار الأمريكي 5.81 ليرة بعد أن كان عند مستويات 5.60 ليرة قبل إقالة محافظ البنك المركزي (7).

تخفيض التصنيف الائتماني

وعلى الرغم من هذه المخاوف، إلا أن أردوغان صرح خلال لقائه مع عدد من ممثلي الصحف ووسائل الإعلام التركية، يوم الأحد الماضي في إسطنبول إلى أنهم يستهدفون خفض معدلات التضخم والفائدة إلى أرقام أحادية، وذلك بنهاية العام الجاري (8).

مستقبل الاقتصاد التركي

المتابع للوضع الحالي في المنطقة يلاحظ أن دول المنطقة جميعها تعاني من المشاكل والأزمات، منها من نجح في التأقلم مع تلك الأزمات ومحاولة حلها، ومنها من فشل ذلك. وتتمثل المشكلة الحالية في تركيا في طغيان الجانب السياسي على الجانب الاقتصادي، ولعل ذلك كان بارزًا فيما قام به أردوغان من إقالة محافظ البنك المركزي، على الرغم من أن الأخير كان يقوم بالإجراءات السليمة برفع أسعار الفائدة لاستهداف خفض التضخم المرتفع بصورة كبيرة، لكن أردوغان يصر على التدخل في السياسات النقدية التي هي من مهام محافظ البنك المركزي، الذي من المفترض أنه يتمتع بالاستقلالية في اتخاذ القرارات.

ويعاني الاقتصاد التركي في الوقت الحالي من انخفاض معدلات النمو الاقتصادي، حيث انخفض معدل النمو الاقتصادي في الربع الأول من العام الحالي بنسبة 2.6%، وهو رقم ضعيف مقارنة بمعدل النمو الاقتصادي الذي بلغ (7.44%) عام 2017 كما يتضح من الشكل (3)، حيث تدهورات معدلات النمو الاقتصادي بصورة ملحوظة منذ عام 2017 حتى الآن، نتيجة للمشكلات الاقتصادية المتتالية التي تعرضت لها تركيا.

تخفيض التصنيف الائتماني

كما أن عجز الميزان التجاري التركي قد بلغ خلال الفترة من يناير إلى أبريل 2019 ما يقارب (3.3) مليار دولار أمريكي، بما يقارب (1.3) مليار دولار أمريكي خلال شهر أبريل وحده. كما أعلن البنك المركزي التركي أن ما قميته (5.2) مليار دولار أمريكي قد نزحت من تركيا خلال شهر أبريل 2019 (9). كما أعلن بنك "أفرو آسيا" فرار 4 آلاف مليونير من تركيا خلال عام 2018 (10). ولا شك أن الوضع الاقتصادي السئ يؤثر أيضًا على أداء الشركات الخاصة، حيث تقدمت 200 شركة تركية بطلبات تسوية إفلاس بسبب الأزمة الاقتصادية، هذا فضلًا عن إعلان 12 شركة إفلاسها بالفعل في أبريل الماضي.

وأخيرًا؛ يبدو أن مستقبل الاقتصاد التركي على موعد مع سلسلة من الأزمات، فمع خفض وكالة "فيتش" تصنيف ديون العملات الأجنبية طويل الأجل إلى BB-، ثلاث درجات دون درجة الاستثمار، ومع ما يعانيه الاقتصاد بالأساس من سوء الإدارة وقلة المصداقية وضعف الاستقلالية، والتضخم وارتفاع أسعار الفائدة، وتباطؤ النمو، وضعف العملة، فإن تركيا سوف تكون دولة طاردة للاستثمارات الأجنبية، لصالح الدول الأوروبية ودول شرق آسيا التي تتمتع بالاستقرار السياسي والاقتصادي وتوفر البيئات الآمنة والمستقرة التي تجذب رؤوس الأموال الأجنبية والاستثمارات الخارجية، كما أنها تتقدم في المجالات التكنولوجية والتسهيلات الائتمانية، مما يعني أن الاستثمارات الأجنبية الحالية في تركيا سوف تغادرها إلى بيئات أكثر استقرارًا وأمانًا.

الهوامش

1.             Fitch downgrades Turkey's debt rating to 'BB', 13/07/2018, Dailysabah, available at:

https://www.dailysabah.com/economy/2018/07/13/fitch-downgrades-turkeys-debt-rating-to-bb

2.             Fitch Downgrades Turkey to 'BB-'; Outlook Negative, 12 JUL 2019, Fitch ratings, available at:        

https://www.fitchratings.com/site/pr/10082341

3.       رجب طيب أردوغان يقيل محافظ البنك المركزي التركي، 6 يوليو 2019، بي بي سي، متاح على:

http://www.bbc.com/arabic/business-48892808

4.       «فيتش» تخفض تصنيف الديون السيادية لتركيا مع نظرة اقتصادية سلبية، 14 يوليو 2019، الشرق الأوسط، متاح على:

https://aawsat.com/home/article/1811396/%C2%AB%D9%81%D9%8A%D8%AA%D8%B4%C2%BB-%D8%AA%D8%AE%D9%81%D8%B6-%D8%AA%D8%B5%D9%86%D9%8A%D9%81-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%88%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%A9-%D9%84%D8%AA%D8%B1%D9%83%D9%8A%D8%A7-%D9%85%D8%B9-%D9%86%D8%B8%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%82%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%A9-%D8%B3%D9%84%D8%A8%D9%8A%D8%A9

5.       أردوغان يرد على خفض "فيتش" التصنيف الائتماني لتركيا، 14 يوليو 2019، روسيا اليوم، متاح على:

https://arabic.rt.com/business/1032168-%D8%A3%D8%B1%D8%AF%D9%88%D8%BA%D8%A7%D9%86-%D9%8A%D8%B1%D8%AF-%D8%AE%D9%81%D8%B6-%D9%81%D9%8A%D8%AA%D8%B4-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B5%D9%86%D9%8A%D9%81-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%A6%D8%AA%D9%85%D8%A7%D9%86%D9%8A-%D9%84%D8%AA%D8%B1%D9%83%D9%8A%D8%A7/#

6.       أزمة الليرة: تركيا تقرر مقاطعة السلع الإلكترونية الأمريكية بسبب العقوبات التي فرضتها إدارة الرئيس دونالد ترامب، 14 أغسطس 2018، بي بي سي، متاح على:            

http://www.bbc.com/arabic/world-45186441

7.       هبوط الليرة التركية بعد إقالة أردوغان لمحافظ البنك المركزي، 8 يوليو 2019، سكاي نيوز العربية، متاح على:               

https://www.skynewsarabia.com/business/1266062-%D9%87%D8%A8%D9%88%D8%B7-%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%8A%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B1%D9%83%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%95%D9%82%D8%A7%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%94%D8%B1%D8%AF%D9%88%D8%BA%D8%A7%D9%86-%D9%84%D9%85%D8%AD%D8%A7%D9%81%D8%B8-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%86%D9%83-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B1%D9%83%D8%B2%D9%8A

8.       أردوغان يرد على خفض "فيتش" التصنيف الائتماني لتركيا، 14 يوليو 2019، روسيا اليوم، متاح على:

https://arabic.rt.com/business/1032168-%D8%A3%D8%B1%D8%AF%D9%88%D8%BA%D8%A7%D9%86-%D9%8A%D8%B1%D8%AF-%D8%AE%D9%81%D8%B6-%D9%81%D9%8A%D8%AA%D8%B4-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B5%D9%86%D9%8A%D9%81-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%A6%D8%AA%D9%85%D8%A7%D9%86%D9%8A-%D9%84%D8%AA%D8%B1%D9%83%D9%8A%D8%A7/

9.       خالد المنشاوي، خسائر فادحة للشركات تضع تركيا في صدارة الدول الطاردة للاستثمار، 9 يوليو 2019، متاح على:       

https://www.independentarabia.com/node/39631/%D8%A7%D9%82%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%AF/%D8%AE%D8%B3%D8%A7%D8%A6%D8%B1-%D9%81%D8%A7%D8%AF%D8%AD%D8%A9-%D9%84%D9%84%D8%B4%D8%B1%D9%83%D8%A7%D8%AA-%D8%AA%D8%B6%D8%B9-%D8%AA%D8%B1%D9%83%D9%8A%D8%A7-%D9%81%D9%8A-%D8%B5%D8%AF%D8%A7%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%B7%D8%A7%D8%B1%D8%AF%D8%A9-%D9%84%D9%84%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D8%AB%D9%85%D8%A7%D8%B1

10.   Alexander Sazonov, Millionaires Flee Their Homelands as Tensions Rise and Taxes Bite, 30 april 2019, Bloomberg, available at:       

https://www.bloomberg.com/news/articles/2019-04-30/millionaires-flee-their-homelands-as-tensions-rise-taxes-bite

إرسل لصديق

ما توقعك لمستقبل الاتفاق النووي الإيراني؟

ما توقعك لمستقبل الاتفاق النووي الإيراني؟